تحقيقات وتقارير سياسية

الإنتلجنسيا

كلمة لاتينية (intelliyes) يقصد بها النخبة المثقفة (intelligentsia) وهي تعبر عن فئة اجتماعية تمتهن العمل الذهني المعقد والإبداعي، هدفها الأساسي إنتاج وتطوير الثقافة ونشرها؛ لخدمة قضايا حياتية وتشمل المدرسين والكتاب والعلماء والصحافيين وغيرهم.

اختلف كثيرون حول أصل هذا المصطلح، بعضهم يجد أن هذه الكلمة استُخدمت من أدباء فرنسا -مثل دريفوس- عام 1894.

ويُعبّر هذا المصطلح عن ذوي النزعة النقدية التقدمية، في حين رجّح يعضهم أنها كلمة بولندية الأصل، كان أول من استخدمها هو-جورج هيغل- معبرًا فيها عن الفئة المتعلمة والمثقفة، ثم انتقلت هذه الكلمة إلى روسيا، واستُخدمت في منتصف القرن التاسع عشر، حين كانت الطبقات العليا في روسيا منقسمة الي قسمين: البيروقراطية الحاكمة، ونخبة المثقفين التي تضم المتخصصين في العلوم وأصحاب المهن الفنية العليا، وبعد ذلك اتسع هذا المفهوم ليشمل أصحاب الآراء الراديكالية المناهضة للنظم السياسية البيروقراطية.

أما الإنتلجنسيا في علم الاجتماع، فمصطلح اختلفت استخداماته بين المجتمعات الغربية، والمجتمعات النامية؛ يُعبّر في الأولى عن الفئة المثقفة وذوي العقول “الراقية” التي يمكن أن يكون لها تأثير في الحياة السياسية والاجتماعية، وتتشارك مع الطبقات الوسطى وتنمو مع المجتمع ككل.

أما في المجتمعات النامية، فتعبر عن الصفوة الثقافية، التي لا تتشارك مع الطبقة الوسطى، ولا تنمو مع المجتمع، بل تعدّ نفسها كيانًا مستقلًا، ولا تمتلك أي روح جماعية. ظهرت مقلدة للمجتمع الغربي، أي كان ظهورها نتيجة لقوى خارجية.

تبلورت كلمة الإنتلجنسيا في الوطن العربي في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، مع ظهور نخبة من الكتاب والأدباء، بحساب أن الانتلجنسيا، من حيث التعريف، تتضمن أن يكون المثقف حرًا في تفكيره مستقلًا بأفكاره، وألا يكتفي بالفكر السائد وينطوي تحته، بل لا بد له من أن يتمرد ويقود شعبه إلى التقدم والإنجاز والبحث عن معرفة جديدة، وأن يكون الانخراط في المجتمع شرطًا أساسًا، ولكن -مع لأسف- بقيت هذه الرؤية محصورة في المجالس الثقافية والمقاهي التي يرتادها المثقفون، وذلك؛ لأسباب، منها خضوع الوطن العربي للاحتلال الكابت للحريات، ولاحقًا سيطرت على الوطن العربي أنظمة قمعية، متواطئة مع الغرب، كارهة للمثقفين، هدفها الأساسي إلغاؤهم ومحاربتهم، فإما أن يعمل المثقف لمصلحة هذه الأنظمة، وإما أن يكون مصيره السجن أو الموت، أي إن ما حدث للإنتلجنسيا العربية تراجع وجمود؛ نتيجة تدخل للسلطة وقمع الحريات ومنع الخروج بأفكار تتحدى السلطات السياسية والدينية.

إن عملية التحديث والتطوير في الوطن العربي، لا يمكن أن تتحقق إلا بالخروج من حالة القمع والكبت، وهذا بدوره يحتاج إلى التمرد والانخراط في المجتمع والعالم، وثبت أن الديمقراطية ضرورة حقيقية للانتلجنسيا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق