مقالات الرأي

لكيلا نصل إلى الثورة المغدورة

كتب تروتسكي كتابه “الثورة المغدورة”، وهو يشعر بأن خيانة الطبقة العاملة جاءت ممن يدعون تمثيلها، ووجه سهامه إلى وجوههم عندما وجدهم قد انحرفوا عن طريق الثورة، ومركزوا سلطتهم التي حوّلت المجتمع إلى قطيع من الخدم للحزب ومكتبه السياسي وأمينه العام. وبغض النظر عن نبوءة تروتسكي ورجاحة عقله، إلا أن عنوان الثورة المغدورة بات صفة ملازمة لكثير من الثورات التي بُذلت فيها الدماء لتحقيق أهداف محددة، وجاء من يحرف هذه الثورة عن أهدافها.

قد تكون الثورة السورية أنموذجًا مُهمًّا لهذا العنوان، فحجم التآمر والخيانات لثورة بحجم أحلام المواطنين السوريين، يعدّ كارثة حقيقية، يمكن أن تُؤرّخ لهزيمة العقل العربي.

يخال أن أحلام السوريين ليست بهذا الحجم الكبير، بالنسبة إلى ما تدّعيه مجتمعات حقوق الإنسان، فلا هي تريد اختراق العالم والوقوف في وجه شركاته العابرة للقارات، ولا هي تخوض صراعًا على موارد الطاقة في العالم، إضافة إلى أنها لا تحمل برامج نووية، وليس لديها تحكم بالطاقة، ولا يمكنها ذلك، ولا تريد الإخلال بالتوازن العالمي المختل أصلًا، على الأقل ولنكن متواضعين مرحليًا وفي هذا الوقت، إذ يعترضها طريق طويل من البناء والتنمية، ريثما تتعافى وتصوغ قضايا مشكلاتها وتحررها.

المواطن السوري الذي كان يشعر بالتهميش والذل وامتهان الكرامة، وتحوله إلى رقم مهمته التصفيق لإنجازات القائد الملهم والفذ، سليل الحسب والأصول الإلهية، المورث والآمر الناهي، انطلق هذا المواطن وراء حلمه الفردي باستعادة كرامته المهدورة، ووضعها طموحًا وحلمًا يريد تحقيقه.

ثار هذا الشعب ببساطة، كي يقول: أنا مواطن سوري أريد وطنًا يعبر عني، واشترك في بنائه وأسهم في تطويره، مواطن مثل كل البشر في هذا العالم الذي يدعي الحقوق والحريات، لديه حقوق وواجبات وقانون وقضاء وعدالة، قادر على التفكير والنقد والتعلم أيضًا. ثورة مواطن لاستعادة المواطنة، وتحقيق دولتها.

هذه الثورة -على بساطتها وعظمة مطالبها- من الواضح أنها تطلب المستحيل على ما يبدو، فلا شيء أغلى وأعز من الحرية، ولا قيمة تفوق الكرامة، إلا أن هذه المطالبة ووجهت بالرصاص، بالقتل، بالسحق، بقلع الأظافر، والأعضاء الذكورية، وهي مؤشر للإخصاء، بالاغتصابات، بالإعدامات، جماعية وميدانية.

إضافة إلى أنها ووجهت بالخذلان، من جميع مثقفي الثرثرة الأيديولوجية، ومن السياسيين المحنطين وذوي العقول الجامدة الذين ما زالوا يعيشون على موائد إعلام أنظمة الهزيمة، ويجترون انتصارات ليست موجودة إلا في رؤوسهم الفارغة، حمقى هزيمة لم يخرجوا من عقلها. هؤلاء طيف واسع من اليسار المهزوم الاستبدادي الذي فتك برفاقه قبل الآخرين، ومن القومجيين، سليلي أنظمة العسف والطغيان، أصحاب الشعارات الجوفاء، شعارات لا تعرف الواقع، وكيف تتعامل معه، اللهم سوى بالبطش والعسف. والأكثر خذلانًا هم الإسلامويين، هؤلاء الذين لا يعرفون من الإسلام إلا قشوره، ولا يفقهون شيئًا عن المجتمع ومتطلباته، استفاقوا بعد سباتهم الطويل، ولم يستطيعوا هضم مقولة دخول الدولة والقانون والدستور، خيمة تظلل الجميع وتحمي حقوقهم ومعتقداتهم، وتخلق المفهوم الأساس للمواطنة التي لا تعتمد على اللون والجنس والعرق والمعتقد.

الفجيعة بالخذلان، فجيعة تصل حد الاتهام والخيانة، هي هذه المعارضة بتلويناتها وتشكيلاتها، معارضة مازالت أمام هذا الدمار وتضحيات وآلام الشعب، تجتر وتلوك أوهامها، وتعيش تمزقها بصلافة وتخلف وسخف، سخف لا يختلف كثيرا عن عقل النظام وأساليبه.

معارضة، بشقيها، لا تستطيع أن تُجمع على أن المواطنين يريدون وطنًا، وهذا الوطن يجب أن يُنتزع من براثن نظام مجرم فاشي قاتل.

معارضة تدرك أن قدرها أن تختار أشكال نضالها؛ بناء على قواها، وليس على مقاس قوى الآخر، معارضة تعتمد مواطنيها وقدراتها الأساس، وتعمل على تنظيم نضالهم، وتجنيبهم المخاطر والمنزلقات، والعمل على تحقيق انتصارهم.

لهذا؛ فكل الترهات التي تتبجح بها المعارضة، وكل خوائها وتمزقها وعقدها، أضر أشد الضرر بالثورة، والأسوأ عقلها المريض، من متبجحي السلمية المعلّقة بالهواء، إلى من يدور منهم بفلك النظام، إلى الذين تمنطقوا السلاح وراحوا يُمزّقون الوطن ويحجون لعتبات الدول كي يتحسنوا عليهم بما يمزق وطنهم أكثر.

هذه هي الثورة التي يراد لها أن تكون مغدورة، ثورة شعب يريد وطنا فأُدخل التيه ونفق القتل والتدمير، لا أعرف إذا كان هناك من فرصة لاستدراك الوطن والمواطن، وهذا يحتاج لمهرة يجيدون العمليات الجراحية ليعملوا على القطع التام مع كل ما ساد إلى الآن، لغة وخطابًا وثقافة وسلوكًا وانتماء، معارضة تعي الصراع بأبعاده الثلاثة: دوليًا، وهو أن لنا سيادتنا ومصالحنا وللأخر مصالحه، يمكن تبادلها والتفاعل مع منجزات ما ينمو ويتطور في هذا العالم دون تبعية، ودون رهان لسيادتنا وحريتنا، وإقليميًا، دول جوار يربطنا بها كثير وفيها كثير من مجالات التعاون، وبناء تحالفات تعزز وجودًا، وتطور المنطقة بالاقتصاد والعلوم والتنمية الإنسانية، والابتعاد عن المشروعات والأحلام الامبراطورية، ومحليًا، داخليًا، يضع حدًا لكل تطاول من الهويات المتخلفة بسياج وطني يحمي ويحقق الحقوق العامة والخاصة، المحمية بقضاء عادل وقانون في دولة تعايش، دولة مواطنة يكون المواطن فيها قيمة عليا، حيث حريته وكرامته مصانة دائمًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق