أدب وفنون

ذاكرة قوس قزح ذاكرةٌ تفتحُ النار

“الحزن

أن أفقد ريشتي التي ترسم وجوهًا في سقف غرفتي

أن أحاور أشباحًا.. كالمجانين!”

 

يحدثُ أحيانًا، مثلما في لحظة بعينها، أن يتغير لون الدم، وتتوقف كريات الفرح عن الدوران، يحدث أحيانًا مثلما في لحظةٍ بعينها، أن تنوء الذاكرةُ بثقلها، ويترسب وجع أسود على حواف قلب تعلّم البياض، يحدث أحيانًا أن نفتح الليل على احتمالات الطفولة، ونلغي الزمن، مثلما يحدث أحيانًا أن تنفتح الذاكرة بفتّاحة الكلمات القديمة، ونكتب.

 

فعل حب

في نصوصها المنشورة أخيرًا بعنوان: “ذاكرة قوس قزح”، تطرح سوسن سلامة سؤال الكتابة: لماذا نكتب؟ وإن كان هذا السؤال يواجه كل من يكتب، فإنه في شكله الذاتيّ يبدو وكأنه اعتراف بذنب لم يُقترف. أكتب لأنني أريد ان أكتب. تلك هي رغبتي.

إلا أن الجواب أصبحَ عامًا: أكتب لأحيا. وكأننا أمام ذريعة أو سبب يجعل من الحياة ممكنة، ويجعل من الكتابة المعادل الموضوعي للحياة! هل هي كذلك؟ سنجد هذا التصريح الخطي في أول الكتاب: “أكتب طوال الوقت؛ لأنني أحيا طوال الوقت”

وكأنها تريد أن تعيش لحظاتها كتابةً. “أحيانًا أشعر وكأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله في مواجهة الحياة.. لأظل أشبهني.. لكي أنجو”، لأنها قررت: “أن أحتفظ بكامل فُتاتي لي وحدي”. فهل الكتابة نشاط تعويضيّ؟ لا. هل هي مسكن مركزي أو لا مركزيّ؟ لا. هل هي رد فعل تجاه كل الأفعال المبعثرة للروح، التي تجعل الجسد مثقّبًا كغيمة؟ لا.
الكتابة هي فعل حب.

 

تحرير الذاكرة

لن نتناول هذه النصوص إلا بوصفها مفرزات ذاكرة، لمعانًا في الأفق اللامرئيّ المنظور إليه بكثير من اللوعة والغياب، رحيلًا يوميًا في الأشياء المحسوسة المتنفَّسة، واستيقاظات باكرة في الفجر الطفليّ لذاكرة متقدة: “بهشاشة سوسنة ويتم نجمة”، بإصرار مسبّق و “تحدٍ بريء” على الكتابة من اللامكان: عن سوسن الطفلة، سوسن التلميذة، مع “الموسيقي الأعمى”، مع “ناجية الفاشية”، مع “إيمان الفلسطينية”. لتعود هذه الشخصيات من العمق الطفولي بكل أخطائها وبراءتها إلى الرؤيا المستحضَرة في الغياب. وتعود معها الأشياء البعيدة والعصافير والأشجار، لتنتصب في لوحة لم تنته الكاتبة من تشكيلها، وتقف أمام “نافذة لما سيأتي” في يأسٍ معلَن، لتسرد يوميات أشخاص محطمين فاقدي الوعي، حضروا في غيابها الباريسيّ: ماريا المصابة بالزهايمر والتي تعيش لا وعيها حياة أخرى، جان لوي المسكين الذي لا يستطيع الإجابة عن أكثر من ثلاثة أسئلة منذ ثلاثين عامًا، يغني ويدخن فحسب، شعب تحفز حضوره رؤية غراب وحمامة يقتاتان على بقايا الطعام في حديقة.

تنقسم نصوص الكتاب شكليًا إلى قسمين: أول؛ يتسم بالقصر، ممثلًا الجزء الشعري. وثانٍ؛ نصوص سردية أخذت شكل مرويّات. وفي كلا الشكلين يشعر القارئ بالألم الذاتي الخاص بالكاتبة، وكأنها تتقصد الحديث عن ذاتها المتعَبة، ولم تقم بأي جهد يجعل من ألمها موضوعيًا، وأن غايتها أن تخرج هذا الركام الألميّ خارج جسدها، وكأنها تلفظه لترتاح من عبء حمله. وتأتي النصوص محملة بكلمات مباشرة أحيانًا، يتواتر فيها السجع أحيانًا أخرى، وكأنها كُتبت بصيغتها الفطرية.

تلك هي النصوص المنثورة فوق صفحات سوسن سلامة: ألم خام وذاكرة تفتح النار على حاضرٍ لكي تتحرر، حاضر متمسكٌ بدم الكلمات.

 

 

الكتاب: ذاكرة قوس قزح

الكاتبة: سوسن سلامة

الناشر: دار التكوين دمشق. 2016

مقالات ذات صلة

إغلاق