مقالات الرأي

العبور الصّعب إلى الوطنية السورية

طرح علينا أحد الأصدقاء سؤالًا مفاجئًا، حول كيف يمكن لأحدنا أن يكون وطنيًا في هذه الأوضاع؟ ساد صمت غير متوقّع! أيعقل أن يُسبب مثل هذا السؤال ارتباكًا وحيرة عند شريحة تعدّ معنيّةً، على نحوٍ مباشر، بما يحدث في سورية؟ يُفترض أن يكون الجواب بديهيًا، لو كان لدينا عقدٌ اجتماعي ودستوري ناجز، لكنّنا في مرحلة مفتوحة على الاحتمالات كافة، نظرًا لغياب الإرادة الوطنية أو اضمحلالها لمصلحة القوى الخارجية.

من المعروف، بالنسبة إلى كل مجالات المعرفة، أن الأسئلة سابقة على الإجابات، وهي المحفّز الرئيس للبحث عنها. فقد تبقى الأسئلة فرضيات فحسب، كما بالنسبة إلى القضايا الوجودية، وقد تبقى معلَّقةً لزمنٍ قد يطول أو يقصر، مثلما في استجلاء ظواهر الطبيعة، فيما تتطلّب أسئلة أخرى إجابات واضحة وسريعة لضمان استمرار الحياة. بالنسبة إلى سؤال الوطنية، يفترض ألا يتأخر المثقفون والنخب في الإجابة عنه، فهم الأبعد نظرًا ومعرفةً، ومَن يضع المفهومات والأفكار العامة التي تحدد مسارات أوجه التطور المختلفة وتغنيها. في أثناء ذلك، لا ينفصل المثقف عن واقعه ولا يغرق فيه، إنّه بحاجة إلى معايشة الواقع مثلما هو بحاجةً إلى اعتزاله أحيانًا؛ من أجل تنسيق الأفكار ووضع النتائج.

ربما يكون التساؤل الملائم، في هذه الأحوال، هو: كيف يكون المرء سوريًا؟ نظرًا لعدم تحقُّق شروط الوطنية بعدُ، مع أنّ الإيمان بوطن سوري، والعمل من أجله، يجب أن يجمع بين السوريين في هذه المرحلة. إنّ التزييف الذي طال كل القيم والمفاهيم في عقود الاستبداد، جعلنا نحلم بالوطنية ولا نعيشها، إذ كان للوطنية سقف على مقاس مصالح سلطةٍ مستبدة. الثابت، أيضًا، أنّنا بحاجة ماسة إلى إعادة النظر بكل مفهومات ومفردات ثقافتنا السياسية، وتحرّي الحدود الفاصلة بين معانيها، في محاولة لبناء الهيكل السياسي والحقوقي لسورية المقبلة.

وبالعودة إلى سؤال الوطنية أو السورية، فإنّه يصبح أكثر أهمية حين يُطرح على السياسي. وإذا كان للمثقف حرية تفاعله مع الواقع وانكفائه عنه، فذلك محظور على السياسي الذي يجب عليه التعبير عن مواقفه على الدوام، وعند كل حدث، بما في ذلك المساهمة في اقتراح الحلول للقضايا الآنية، علاوة على وضع الرؤى المستقبلية.

ربما يكون السياسي السوري وطنيًا في هذه الأوضاع عندما:

يقطع، معرفيًا وسياسيًا، مع النظام الاستبدادي الذي حكم سورية لعقود، ويرفض أي مسعى لحلول استبداد آخر مكانه.

يعمل من أجل سورية موحدة، ويؤمن بحق الشعب في أن يعبر عن إرادته ديمقراطيًا؛ لاختيار شكل الحكم الذي يلائمه في كل المناطق، وذلك ضمن الحدود المعترف بها دوليًا.

لا يفرق بين سوري وآخر، في مسعاه لإخراج سورية من محنتها.

يبتعد عن مفاهيم الانتقام والثأر، ويتمسك بالعدالة الانتقالية لمحاسبة مجرمي الحرب.

يتعامل مع كل القوى الخارجية انطلاقًا من مصلحة سورية المركزية، ولا يخضع لضغوط أو مصادر تمويل مشروطة.

يعدّ كل أشكال الوجود الأجنبي في سورية احتلالاتٍ، ما لم تكن معتمدةً بقرارات الأمم المتحدة، وتهدف لمساعدة السوريين على وقف الاقتتال والشروع بخطوات محددة على طريق الحل السياسي.

لا يتعارض موقفه مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تبنته الأمم المتحدة عام 1948.

استنادًا إلى محدّدات الوطنية أعلاه، يمكن القول بأن كثير من المثقفين والسياسيين قد رسبوا في هذا الامتحان. السبب الأول في ذلك، هو أنّ الدكاكين السياسية والشلل الثقافية القديمة لم تعد صالحة لهذه المرحلة، بعد أن انكشفت بنور الثورة الساطع. كما لم تكن الدكاكين السياسية الجديدة، التي نشأت بعد الثورة، أحسن حالًا، وهي التي اعتمدت على الخارج لإضفاء الشرعية على وجودها وممارساتها، نظرًا لافتقارها إلى التمثيل الشعبي الحقيقي. فيما دخلت المعارضة السياسية الوطنية، وتلك المنبثقة عن حركة الشارع، في طور الكمون منذ أواخر عام 2011، بخاصة بعد سيطرة ثنائية العسكرة – الأسلمة والمشروعات المذهبية الإقليمية في بيئات الثورة.

من الطبيعي أن تتحدّد المآلات الثورية بمدى وعي الناس، في حالتنا السورية، لم تكن لتتحقّق أهداف الثورة المعلن عنها في البدايات على نحوٍ آليّ، فالحرية والكرامة لا تعني شيئًا بحدّ ذاتها، ما لم تُترجم، من السياسيين إلى مفهومات تضمن تحقُّقها من خلال طريقة بناء الدول وأنظمة الحكم. كما أنّ السياسيين المعارضين، بتواكلهم على الشعب الثائر، لم يشكلوا رافعةً مرشدة وموجّهة، ومن ثم؛ لم يتمكّنوا من إجراء التصويب اللازم لحركة الشارع، بغية الحدّ من التداعيات الدراماتيكية التي صارت معروفةً للجميع.

في الوقت الحاضر، نشهد لوحة سياسية سورية معارضة باتت تتمثّل بالمنصّات؛ منصّات العواصم، موسكو والقاهرة والرياض، أو المجموعات التي تأتمر بأوامر دولة بعينها، كما بالنسبة للفصائل المسلحة المدعومة من تركيا في الشمال والأردن في الجنوب، وشارك بعضها في مؤتمر آستانا منذ أسبوعين. في الواقع، قلّما يوجد الآن سياسي ناشط لا يرتبط بأجندة إقليمية ودولية، في حين يجري التعتيم على الوطنيين السوريين واستبعادهم، سواء في الداخل أم في الخارج، لدرجة يشعر فيها معظم السوريين بخيبة أمل عميقة ممّن يتنطّح لتمثيلهم في المحافل الدولية.

قد يكون هذا الواقع التعددي طبيعيًا في ظل الشروط الدولية والإقليمية الحالية، بيد أنّه من الصعب تفهُّم عدم قدرة المجموعات السياسية السورية على التنسيق فيما بينها؛ لتشكيل وفد تكنوقراطي موحّد؛ ليجلس على الطاولة مقابل وفد النظام!

يبدو أنّ ما نمرّ به هو مرحلة عبور إلى المستقبل، وسط تشابك المصالح الدولية، لكن، يجب ألاّ يغيب عن بالنا أنّ استمرار هذه المعارضات المرتبطة بتلك المصالح، وليس بوسعها التوافق على الحدّ الأدنى، يتناقض مع ما تقتضيه المصلحة الوطنية السورية. ومن أجل وقف الارتهان الإقليمي والدولي للمعارضة السورية، بخاصة تلك المجموعات التي بدأت تخطب ودّ “إسرائيل”، لا بدّ من إتاحة الفرصة للسوريين للمشاركة في اختيار ممثليهم بأسرع وقت، وسيتكفَّل التاريخ بالباقي.

مقالات ذات صلة

إغلاق