قضايا المجتمع

ما أفسده الدهر لا يصلحه الأمل في مستشفيات اللاذقية

يختصر أحد الأصدقاء وضع المستشفيات الحكومية وهو يرافق أباه للعلاج من “هداك المرض” داخل مركز معالجة الأورام في مستشفى تشرين الجامعي باللاذقية بالقول: “من برَا رخام ومن جوَا سخام”. صحيح أنه مستشفى حكومي، والجميع يعرف رداءة الخدمات المقدمة في المستشفيات العامة، لكن فاقد الأمل يتعلق بالقشة كما يقال؛ فيتجاهل سوء معاملة الأطباء-التجار- وإهمال فنيي المخابر لقاء تأمين جرعة مجانية لمريض مؤجل القدر إلى حين.

تشبيح وإضراب عن العمل

قبل أيام شهد مستشفى تشرين الجامعي باللاذقية إضراب أطبائه وممرضيه عن العمل لعدة ساعات، في قسمي الجراحة والداخلية، بسبب اعتداء من أُطلق عليه وصف “أحد المتنفذين” بالشتم والضرب على طبيب وبعض العاملين في قسم الإسعاف في المستشفى.

هذا الاعتداء ليس الأول من نوعه على أبناء اللاذقية، أو على العاملين في المستشفى، فقد جرت عدة حوادث شبيهة من أبناء مسؤولي وضباط النظام، أو ممن امتشقوا السلاح على غفلة من الزمان، لكن وصفه بأحد المتنفذين يكفي ليتبادر إلى الذهن أنه من أحد أبناء عائلة الأسد غير المعروفين، خاصة حين يحاول بعض المؤيدين تبرئة رئيسهم مما جرى، مرت تلك الحوادث دون اتخاذ أي إجراء ضد المعتدين.

يقول هيثم. م أحد ممرضي المستشفى “لا يمكن وصف ما حدث إلا بالتشبيح”، ويتساءل: “كيف يمكن أن يدخل زائر يحمل سلاحًا إلى مؤسسة مدنية دون أن يمنعه أمن المستشفى؟”. حاول الطبيب المُهان، مع بعض من زملائه تقديم شكوى لمدير المستشفى؛ فجاءهم الرد منه” عادي عليكم أن تتعودوا، ستضربون كثيرًا”. يفهم المدير الوضع جيدًا، فاتخاذه أي إجراء، ولو كان صوريًا، يعني أنه سيكون الطبيب المعتدى عليه في المرة المقبلة.

أحمد. س، أحد المرضى يُحمّل محافظ اللاذقية المسؤولية عما حدث؛ بسبب تكراره أكثر من مرة و”فرعنة” المحافظ على الفقراء-على حدّ وصف أحمد- تاركًا الزعران يسرحون، فيقول: “المحافظ جهز جيش من الدوريات برشاشات حينما هدم مقاهي كورنيش جبلة! لكن لا نسمع صوته عندما يضرب أطباء!”.

يبدو أن سلوك الأجهزة التنفيذية للنظام، لم يتغير خلال سنوات الحرب كما يأمل مؤيدوه، بل صار أشدّ غيظًا لهم، مع ظروف غلاء المعيشة وسوء الخدمات، وكيف لا يكونون أشدّ غيظًا إذا كان أعضاء السلطة التشريعية “مجلس الشعب” عندهم يشتكون من عدم إنصات وزراء الحكومة؟ فمنذ أقل من شهر، وخلال دقائق، تم نقل مستشفى الأسد الجامعي باللاذقية مع كادره، من ملاك وزارة التعليم العالي إلى ملاك وزارة الدفاع، ليغدو مستشفى عسكريًا، بعد عرض من وزير التعليم وموافقة لجنة الأمن الوطني واللجنة الدستورية في المجلس، ما سبب تراجعًا في مستوى خدمات المستشفيين، بسبب البلبلة بين الإدارتين والعاملين، وخسر بذلك طلاب كلية الطب في جامعة تشرين فرصة التدريب العملي في مستشفى الأسد.

اتهم أحد أعضاء مجلس الشعب عن محافظة اللاذقية، حكومة الأسد بالكذب لما فعله وزيرا التعليم والدفاع، من خداع أعضاء المجلس حين تعهدا بإبقاء العاملين في مستشفى الأسد في مكان عملهم، الأمر الذي لم يحدث، فقد نُقلوا إلى مستشفى تشرين الجامعي، ورفض مديره استقبالهم بذريعة عدم الحاجة، ووجود فائض لديه؛ ليصير العمال مُتقاذفين بين وزارتين، برواتب معلقة.

بدأ العمل في مستشفى تشرين الجامعي، بمركز لمعالجة الأورام بقسميه الكيميائي والشعاعي منذ عام 2011، وتم افتتاح باقي أقسام المستشفى في خريف 2014، بعد تأخير لمدة سنتين، بذريعة صعوبة استيراد الأجهزة الطبية، من جرّاء الحظر الاقتصادي، وتراجع صرف الليرة، ما سبّب تأخيرًا في تنفيذ العقود.

تجاوزت كلفة التجهيزات الطبية وحدها 50 مليون يور، بحسب تصريحات رئيس جامعة تشرين عام 2014. واليوم لا يجد مرضى الأورام جرعة دواء، إضافة إلى أعطال متكررة لأجهزة العلاج الشعاعي.

تقول فاطمة، إحدى المريضات: “أنا بلا دواء منذ نحو شهرين، ولا توجد جرعات بالصيدليات، لأن استيرادها ممنوع، إلا من وزارة الصحة “، أحد أقرباء فاطمة، وعدها بتأمين الجرعة من دولة الإمارات عن طريق أحد الأطباء، ولكن بسعر باهظ جدًا، وتضيف فاطمة: “إذا ليس بمقدورهم توفير الجرعات لنا، فلماذا يقومون بتحميلنا أعباء إضافية، يقتضيها عناء السفر من حمص إلى هنا”.

عدم توافر الأدوية ليس المشكلة الوحيدة التي يعاني منها المرضى، فعلى الرغم من أن المستشفى حديث البناء والتجهيزات، إلا أن بعض الأقسام مغلقة للصيانة، والمخابر تغلق أبوابها قبل منتصف الظهيرة، ما يضطر المريض لإجراء التحليلات اللازمة في مخابر خاصة بكلفة عالية، ومن يحتاج سيارة إسعاف “يحتاج إلى تقبيل اليدين”، على حد وصف فاطمة.

وكان سكان اللاذقية يأملون في أن يكون المستشفى بصيص أمل يُحسّن نظرة “المواطن” تجاه “دولته”، لكن ما أفسده الدهر لا يصلحه الأمل وحده.
يُذكر أن مستشفى تشرين الجامعي مستشفى استثماري؛ فجميع أقسامه-ما عدا قسم الأورام-مأجورة، إذ يدفع المريض نسبة من كلفة العلاج لقاء الخدمات المقدمة له.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق