قضايا المجتمع

العدالة الانتقالية: هيكلة القضاء وضبط “الضابطة العدلية”

(1)

بعد التأسيس الدستوري، والتشريعي، والقانوني، الذي تحدثنا عنه، نصل إلى الهدف الأساس، وهو إعادة هيكلة القضاء بهدف تحقيق “وحدة القضاء” بحيث يكون التقاضي بالنسبة للجميع أمام محاكم واحدة، فلا تنشأ محاكم خاصة، أو استثنائية لأفراد معينين، أو لطوائف، أو لطبقات اجتماعية محددة، وكذلك يجب أن يكون القانون الواجب التطبيق على نزاع معين معروض أمام القضاء، قانون واحد، سواء من حيث العقوبات، أو من حيث الإجراءات المتبعة في التقاضي، أو من حيث توزيع العمل بين المحاكم المختلفة، التي تتكون من مجموعها السلطة القضائية؛ بحيث يكون مجموع ما يوزع على هذه الجهات معادلًا للولاية الكاملة للقضاء. وذلك يعني: (1- ليس للمشرع، عندما يمارس تنظيم مؤسسات السلطة القضائية وتحديد اختصاصاتها، أن يسلب هذه الجهات جزءًا من هذه الاختصاصات، ويعطيه إلى جهة غير قضائية، تنظر فيه بصورة مستقلة، وإذا فعل ذلك، كان القانون أو الإجراء الصادر في هذا الشأن غير دستوري. 2- ليس للمشرع، وهو في سبيل استعمال حقه بترتيب الجهات القضائية، وتحديد اختصاصاتها، أن يحجب حق التقاضي عن أحد)(1).

ثم، وبعد ذلك، يجري تأكيد أن حق التقاضي، وسلوك سبل الطعن، والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون بوصفه حقًا دستوريًا لا يمكن المساس به، وأنه ليس حقًا تشريعيًا، وحسب، فلا يجوز للسلطة التشريعية تقييده، أو حجبه بتشريع. كما جاء -على سبيل المثال- في المرسوم 64 لعام 2008، الذي نزع يد القضاء عن النظر في الجرائم التي يرتكبها عناصر الشرطة وشعبة الأمن السياسي والضابطة الجمركية، ومنحهم حصانة ضد الجرائم التي يرتكبونها، حين جعلها من اختصاص القضاء العسكري، وحصر أمر تحريك الدعوى العامة، أو حفظها بوزير الدفاع. أو على سبيل المثال، لا الحصر أيضًا، ما ورد في (م53)، من قانون العقوبات العسكري التي لا تجيز ملاحقة من يخضع لاختصاص القضاء العسكري من العسكريين، أو من العاملين في الدوائر العسكرية، إلا بموجب أوامر ملاحقة تصدر عن الجهات المختصة، وهي في هذه الحالة الدوائر العسكرية والأمنية نفسها، ولكن من مستوى أعلى، تبعًا لرتبة أو صفة العسكري المراد ملاحقته. أو، وكما ورد في نص (م114)، من قانون السلطة القضائية ذاتها؛ إذ جاء في المادة المذكورة: (1ـ في الجرائم التي يرتكبها القضاة في أثناء قيامهم بالوظيفة، أو خارجها لا تقام دعوى الحق العام إلا من النائب العام، إما بإذن من لجنة تؤلف من رئيس محكمة النقض، واثنين من أقدم مستشاريها، أو بناءً على طلب من مجلس القضاء الأعلى عندما يتبين في أثناء المحاكمة المسلكية وجود جرم.  2- ليس للمدعي الشخصي أن يحرك دعوى الحق العام في جميع الجرائم المذكورة، وإنما يترتب على النائب العام -حين رفع الشكوى إليه- أن يحيلها إلى اللجنة المشار إليها، ويحق له قبل إحالتها أن يعمد لاستكمال التحقيق بواسطة إدارة التفتيش). وكذلك ما نصت عليه (م8)، من قانون المحكمة الدستورية العليا، وفيه: (يخضع رئيس المحكمة وأعضاؤها في ملاحقتهم الجزائية للأصول والاختصاصات المتبعة في محاكمة القضاة).

(2)

إن المؤسسة القضائية بهيكليتها المستقلة، وبالقوانين الدستورية التي تطبق بالمساواة على الأفراد والمؤسسات تشكل ضمانة للمواطنين، من جهة، وتقونن سير العمل في باقي مؤسسات الدولة، ويؤدي ذلك إلى احترام مبدأ تحقيق العدالة بين المواطنين، وهذا هو الأساس الموضوعي لوجود واستقرار الدولة الذي يتحقق باحترام الحقوق التي ينص عليها الدستور الوطني، والحقوق الواردة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وسد كافة الذرائع لعدم الالتزام بها.

والهيكلة القضائية تبدأ بتحديد الاختصاصات داخل المؤسسات القضائية، وتعديل كافة القوانين والأنظمة لتحقيق هذا الغرض، فمثلًا تعديل قانون القضاء العسكري بحيث ينحصر مهمات المحاكم العسكرية بمحاكمة العسكريين حصرًا، وفي القضايا العسكرية فقط، وأن ينعقد الاختصاص للقضاء العادي في محاكمة المواطنين سواء كانوا عسكريين أو مدنيين في القضايا الأخرى. واحترام مبدأ فصل السلطات واستقلالها، وهذا يفرض تعديل قانون السلطة القضائية، على أن يتضمن بوجه رئيس إعادة هيكلية مجلس القضاء الأعلى، بحيث تنحصر عضويته بالقضاة فحسب، على أن يجري انتخاب رئيسه وأعضائه من القضاة أنفسهم، وعلى أن يمارس مجلس القضاء الأعلى وحده الصلاحيات المتعلقة بعمل القضاء بدلًا من وزارة العدل.‏ وعلى أن يكون مجلس القضاء الأعلى هو السلطة العليا الوحيدة التي تتولى شؤون السلطة القضائية ، وأن يُنص دستوريًا على استقلاله استقلالًا تامًا عن سائر أجهزة الدولة، وأن يتولى الإشراف على جميع الهيئات التي تتولى وظيفة قضائية مثل: (مجلس الدولة، والمحكمة الدستورية العليا، والقضاء العقاري. وكذلك الأمر بالنسبة إلى إدارة التفتيش القضائي، التي يجب أن تتبع مجلس القضاء الأعلى. بما يسمح لها في الرقابة الفعلية على عمل أعضاء السلطة القضائية، وتاليًا إمكانية المحاسبة، وفرض العقوبة القانونية بحق المخالفين، وتعديل نظام المحكمة الدستورية بحيث تتمكن من تأدية وظيفتها في الرقابة على دستورية القوانين، وأن يصدر تشريعًا بأحقية القضاء العادي بالتصدي لدستورية القوانين ولو بطريق الدفع. إضافة إلى إعطاء الحق للنقابات والمنظمات بالطعن بدستورية القوانين) (2).

(3)

وبما أنه لا يمكن تحقيق العدالة في المجتمع، وضمان الحقوق وردع أي اعتداء إلا بوجود قوة منظمة ينحصر فيها الحق باستخدام القوة لتنفيذ القانون، فقد استقر الفقه القانوني على تسمية هذه القوة : “الضابطة العدلية” المتمثلة برجال الشرطة والأمن، لكن هذا الحق في استخدام القوة يجب وضع ضوابط دستورية وتشريعية ، وقانونية له، ولعل معيار تقدم الشعوب، وتطور مؤسسات العدالة والمساواة يتمثل في ضبط وتشريع وقوننة استخدام القوة داخل المجتمع، وهذا مرهون بأن يُحصر هذا الحق بأمر من القضاء، لا تجاوز عليه، ولا تقصير في تنفيذه، وأي خلل دستوري، أو تشريعي، أو قانوني في هذه المسألة يؤدي إلى كوارث اجتماعية لا حدود لها، فأي ضعف في هيكلية مؤسسات “الضابطة العدلية” يؤدي إلى عجزها وتقصيرها في تنفيذ مهماتها القانونية، ومن ثم؛ يؤدي إلى الفوضى في المجتمع، وما يترتب عليها من مخاطر قد تهدد أركان الدولة، وكذلك أي  تضخم مرضي  في بنية  تلك الأجهزة الشرطية والأمنية، بحيث تنفلت من الضوابط القانونية والقضائية وتتجاوز كل الحدود، وتتحول من جهاز تنفيذي للقانون إلى أجهزة مهيمنة على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، فلا تخضع في تصرفاتها وفي ممارساتها لأي ضابط قانوني، بل تصبح هي القانون السائد، فلا تخضع لسلطة القضاء، وإنما تتطاول على عمل القضاء وتتدخل؛ حتى في تعيين القضاة وتسريحهم، فإن هذا لو حصل يؤدي إلى النتائج ذاتها من الفوضى والفساد، وتهديد أركان الدولة وانعدام العدالة والمساواة وإهدار الحقوق، وتهديد حتى الحياة ذاتها.

ومن هنا تأتي أهمية ومركزية ضبط مهمات “الضابطة العدلية” لا تقصير، ولا تجاوز،  حتى يتمكن القضاء المستقل أن يكون قضاءً عادلًا بين المواطنين، وكذلك بين مؤسسات السلطة التنفيذية والتشريعية كافة بحيث تنضبط تصرفات “الضابطة العدلية” بأحكام الدستور، والقوانين، والأنظمة، فمؤسسات السلطة اعتبارًا من مؤسسة رئاسة الجمهورية، ومجلس الوزراء، والمجالس المحلية، والمؤسسات الحكومية، والعسكرية، والأمنية تحت سقف القانون، والمساءلة القضائية، و”الضابطة العدلية” هي الذراع المنفذة  للأحكام الصادرة عن السلطة القضائية، ومن هنا؛ يتوقف سير العدالة في المجتمع على التأسيس الدستوري لاستقلال القضاء وضبط مهمات “الضابطة العدلية” بجميع فروعها ومؤسساتها الأمنية والشرطية  بتنفيذ القوانين والقرارات القضائية لا تقصير، ولا تجاوز.

(4)

وهذا يعود بنا إلى المأسسة الدستورية لاستقلال القضاء، بحيث تؤدي تلك المأسسة إلى إصدار قانون دستوري للسلطة القضائية، فبينما كان قانون السلطة القضائية السابق رقم 56 لعام 1959، يحافظ على مبدأ استقلال القضاء في سورية، من خلال حصر سلطة اتخاذ أي قرار يتعلق بشؤون القضاة، مثل التعيين، أو الترفيع، أو العزل، أو الندب، أو النقل، حصر ذلك كله في مجلس القضاء الأعلى وحده، الذي كان يتألف وفقًا للقانون المذكور، من سبعة قضاة فقط، هم : رئيس محكمة النقض رئيسًا، وعضوية نوابه الثلاثة، والأمين العام لوزارة العدل، ورئيس محكمة استئناف دمشق، وأقدم مستشاري محكمة النقض. ويحدد علاقة وزير العدل بهذه القرارات من خلال لزوم تبليغه إياها فقط لتنفيذها، بينما نجد أن قانون السلطة القضائية رقم 98 لعام 1961 وتعديلاته، النافذ حاليًا، قد فتح الباب واسعًا لوزير العدل، وهو عضو السلطة التنفيذية للتدخل في شؤون القضاء، والقضاة، ويتضح ذلك من خلال قانون السلطة القضائية نفسه، ومن خلال مراسيم عدة أهمها:

المرسوم التشريعي رقم 120 بتاريخ 11/ 9/ 1962، الذي أحدث مجلسًا خاصًا للنيابات العامة يرأسه وزير العدل، وعضوية الأمين العام للوزارة، والنائب العام في الجمهورية والمحامي العام الأول، ومدير إدارة التشريع القضائي، ومنح هذا المرسوم مجلس النيابات العامة جميع سلطات مجلس القضاء الأعلى فيما يتعلق بترفيع القضاة وعزلهم وتأديبهم وإحالتهم على التقاعد، أو الاستيداع، أو قبول استقالتهم، ولكن بالنسبة إلى قضاة النيابة فحسب. أما قضاة الحكم فقد ظلّ مجلس القضاء الأعلى هو المختص بشؤونهم. لكن صدر بعد ذلك، المرسوم رقم 24 تاريخ 14/ 2/ 1966، الذي ألغى مجلس النيابات العامة، وأعطى صلاحياته لمجلس القضاء الأعلى، بعد تعديل أعضائه، فأصبح مجلس القضاء الأعلى يتألف بموجب المادة 65 من قانون السلطة القضائية، من: رئيس الجمهورية ينوب عنه وزير العدل رئيسًا، وعضوية كل من: رئيس محكمة النقض، والنائبين الأقدمين لرئيس محكمة النقض، ومعاون وزير العدل، والنائب العام، ورئيس إدارة التفتيش القضائي. فمن أصل أعضاء المجلس السبعة، نجد أن ثلاثة منهم يتبعون بحكم القانون لوزير العدل، وهم: معاون وزير العدل، والنائب العام، ورئيس إدارة التفتيش القضائي، وعلى ذلك تصبح الأغلبية داخل مجلس القضاء الأعلى أربعة أعضاء من أصل سبعة، لصالح وزير العدل يضاف إليهم رئيس الجمهورية رئيس مجلس القضاء الأعلى، ما يجعل السلطة التنفيذية ممثلة بوزير العدل صاحبة الأغلبية، ومن ثّم؛ صاحبة الكلمة الفصل في قرارات مجلس القضاء الأعلى.

(5)

وعلى ذلك: ” كيف يمكن التوفيق بين الاعتراف بالقضاء سلطة مستقلة، وبين ترؤس رئيس الجمهورية الذي هو رئيس السلطة التنفيذية لمجلس القضاء الأعلى؟ يضاف إلى ذلك المرسوم رقم 23 تاريخ 14/ 2/ 1966، الذي أعطى الصلاحية لوزير العدل، ومنحه سلطة تعيين قضاة الحكم والنيابة العامة بالانتقاء، وبمختلف الفئات والدرجات، ونقل قضاة الحكم والنيابة من مختلف الفئات والدرجات، وتعيين الأعضاء الفنيين في إدارة قضايا الحكومة بالانتقاء بمختلف الدرجات والفئات، وذلك لمدة ستة أشهر فقط، بما يخالف المادة (70 فقرة هـ – و)، والمواد 72-93-94، من قانون السلطة القضائية النافذ.

كذلك أعطى قانون السلطة القضائية النافذ لقضاة إدارة التفتيش، وهم مرتبطون إداريًا بوزير العدل ورئيس مجلس القضاء الأعلى، بحسب المادة 12، أعطاهم بموجب المادة 14ف1، من ضمن مهمات أخرى، مهمة التفتيش ومراقبة استقلال القضاء عن أي تأثير خارجي. على أن هذه المهمة أيضًا تدخل ضمن اختصاصات مجلس القضاء الأعلى، بموجب المادة 67ف3. ويرأسه -كما ذكر سابقًا- رئيس الجمهورية، ينوب عنه وزير العدل، ما جعل من هذه المؤسسة أداة بيد السلطة التنفيذية؛ لترهيب وتهديد القضاة، في حال لم ترضَ السلطة التنفيذية عنهم. لأن معرفة القاضي وشعوره بأن السلطة التنفيذية، هي فعليًا الوحيدة التي يعود إليها التحكم بمصيره، سواء بالمحاسبة، أم التعيين، أم الترفيع، أم حتى الصرف من الخدمة، هذا كله يجعل قراراته مشوبة بالإكراه، والإذعان.

يضاف إلى ذلك المرسوم التشريعي رقم 50 تاريخ 25/ 10/ 1961، الذي ألحق بموجبه مجلس الدولة الذي يمارس القضاء الإداري برئاسة مجلس الوزراء بموجب المادة 1 من قانون مجلس الدولة، وبذلك بات رئيس مجلس الوزراء الذي يجمع السلطة التنفيذية والإدارية في الدولة، يهيمن على هذه الهيئة القضائية، وعلى قضاتها، من حيث التعيين، والترفيع، والتأديب، والعزل، كما أن رواتب قضاة وموظفي مجلس الدولة تدفع من ميزانية مجلس الوزراء. ومن جهة أخرى تم إخضاع القضاة لقانون العاملين الموحد في الدولة، ومعاملتهم أسوة بباقي موظفي الدولة، من حيث الراتب والوضع الوظيفي.

هكذا، لا بد من وضع حد لجميع التجاوزات التي تأتي في واقع الحال من مؤسسات السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية، والقضائية، وهذا هو الطريق الوحيدة للتأسيس لقضاء سليم وعادل.

واستكمالًا لهذا البحث لابد من تحديد المواقع القانونية للعناصر الثلاثة التي تشكل أركان القضاء العادل إضافة إلى الإساس الدستوري والقوانين: (1) القضاة، (2) المحامون، (3) المتداعون أمام القضاء. (وللحديث صلة).

 

الهوامش:

(1) تقرير حول السلطة القضائية في الجمهورية العربية السورية (مجموعة من الناشطين الحقوقيين).

(2) المصدر السابق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق