اقتصاد

هل يستطيع ترامب عكس اتجاه العولمة؟

في خطاب القسم، قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب: إنه “سيعيد فرص العمل إلى الولايات المتحدة”، ودعا إلى “الحمائية”، وتوجه إلى لأميركيين قائلًا: اشتروا البضائع الأميركية، وظّفوا الأميركيين. وفي ملتقى دافوس المنعقد هذه الأيام، ويضم نحو 3000 من كبار رجال الأعمال والسياسيين في العالم، وهم الحكام الفعليون لعالمنا المعاصر، انشغل المؤتمرون بالتحشيد للتأييد العالمي ضد سياسات ترامب المعادية للعولمة، بينما دافع وفد الصين عن العولمة وأعلن عن تمسكه بها. هنا تذكرت المناقشات التي انفجرت حول العولمة منذ تسعينيات القرن الماضي بعد سقوط المعسكر السوفياتي، وتقدّمْ العولمة بخطوات سريعة، وكيف وقف اليساريون والقوميون ضد العولمة بحماسٍ؛ كونها “أداة إمبريالية لاستعمار الشعوب”. اليوم يقف ترامب، رئيس أكبر دولة إمبريالية في العالم، ضد العولمة، بينما تقف الصين “الشيوعية” المعادية للعولمة من قبل، حتى نهاية سبعينات القرن الماضي، تقف مع العولمة وتتمسك بها وتدافع عنها بحماسة.

خلال حملته الانتخابية، جلبت تصريحات ترامب المعادية للعولمة ولحرية التجارة أصواتًا كثيرة من الطبقة العاملة والعاطلين عن العمل، فإغلاق المصانع ومكاتب عمل شركات الخدمات في الدول المتقدمة ونقلها إلى الصين والهند والبرازيل وغيرها؛ أدى لنقل فرص العمل إلى هناك، وأصبحت تنتج هناك، بينما تُرِكَ جزءٌ من عمالة الدول المتقدمة على رصيف البطالة، وبدأت الدول المتقدمة تستورد المنتجات من الصين ومن غيرها، وتطرحها في أسواق تغص بالعاطلين عن العمل، إذ استقرت معدلات البطالة حول ما نسبته 10 بالمئة من قوة العمل لسنوات كثيرة. فقد عجزت القطاعات الاقتصادية الطليعية التي احتفظت بها الدول المتقدمة، مثل البحث العلمي والصناعات كثيفة المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة وقطاعات الخدمات المركزية (مصارف أسواق مال عقارات إنترنت سلاسل بيع وغيرها)، عجزت عن خلق فرص عمل كافية، على الرغم من محدودية عرض قوة العمل؛ بسبب انخفاض معدلات البطالة في البلدان المتقدمة، بل جرى تقليص شبكات الضمان الاجتماعي، وفتحت أسواقها أمام قوة العمل المستوردة الرخيصة لتستأثر بفرص العمل التي لا ترغب قوة العمل الأصيلة في البلدان المتقدمة القيام بها، مثل الأعمال البسيطة المتعبة والملوثة، فيتركونها للعمالة المهاجرة، التي تحضر معها ثقافاتها وكثرة مواليدها، بما يهدد ثقافات تلك البلدان ويحرّض موجات من الكراهية للأجانب وينتج منظمات سياسية يمينية معادية للهجرة تحقق تقدمًا ملموسًا في الانتخابات العامة، وكان فوز ترامب قمتها، وقد شجع فوزه اليمن المتطرف في كل أوروبا ومَنَحَهُ روحًا معنويةً عاليةً تعطيهِ قوةً ودفعًا وتعاطفًا شعبويًا مؤيدًا لتوجهاته ضد العولمة.

تعكس العولمة -على المستويين العالمي والمحلي- التناقض بين مصالح قوة العمل ومصالح رأس المال في البلدان المتقدمة، فأرباب العمل والمالكون بحثوا عن تعظيم فرص الربح، أي كان الربح يوجه نشاطهم وليس المصالح الوطنية لشعوبهم، فنقلوا استثماراتهم إلى حيث يحقق لهم ربحًا أكبر، مخلفين وراءهم عمالتهم الوطنية على رصيف البطالة، وخاصة أن كثيرًا من عمال الصناعات الخفيفة يصعب عليهم التأقلم مع مهن جديدة تتطلب معرفةً ودرايةً وتدريبًا أعلى، خاصة لمن تجاوز الأربعين من العمر؛ ما سبب مآسيَ كثيرةً تسعى البلدان المتقدمة إلى امتصاص آثارها السلبية عبر صناديق البطالة التي تقدم للعاطلين عن العمل ما يسد حاجاتهم الأساسية في العيش بالحد الأدنى.

الصين بات لها موقف معاكس من العولمة، فمنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي اتبعت الصين سياسةً اقتصاديةً مرسومةً بدقةٍ، تقوم على مقولة “الصين أولا”. فقد أقامت اتفاقًا مع الولايات المتحدة الأميركية لتنمية علاقات تجارية واستثمارية تدعم نمو الصين الاقتصادي، مقابل لعب دور سياسي هادئ وثانوي على الساحة العالمية، بما في ذلك زيادة الشرخ مع الاتحاد السوفياتي آنذاك. وفي البداية صدّرت الصين سلعها الاستهلاكية الرخيصة والبسيطة، ذات القيم المضافة المتدنية، والمعتمدة على يد عاملة رخيصة، كالملبوسات والأحذية والألعاب والأدوات البسيطة، وبالمقابل انتقلت إليها عشرات ملايين فرص العمل، عبر انتقال عشرات آلاف الشركات الصناعية من أوروبا وأميركا لتنتج هناك بتكاليف أقل بكثير، فقد كان وسطي أجور العامل الصيني لا يزيد عن نصف دولار في الساعة مقابل 8 دولار في أوروبا الغربية، إضافة إلى غياب أي حقوق للعمال، فلا نقابات ولا إضرابات ولا شبكة ضمان اجتماعي ولا ضرائب مرتفعة، ما يجعل من غير المعقول اقتصاديًا أن تنتج ملابس أو أحذية في أوروبا وأميركا واليابان، بينما يمكن إنتاجها في الصين بربع هذه التكلفة أو أقل. وهذا التبادل والانفتاح التجاري والمصالح التجارية والمالية منحت للعولمة دفعة قوية.

لم تقف الصين عند تصنيع السلع منخفضة القيمة المضافة، فقد وضعت استراتيجية متكاملة نفذتها باقتدار قامت على ضبط الاستهلاك المحلي مما حقق معدلات ادخار مرتفعة جدًا تعادل الـ 50 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي أعادت استثمارها محليًا، وفرضت على الشركات الآتية إليها من الدول المتقدمة، مثل أميركا واوروبا الغربية واليابان وكوريا، أن تضع برنامجًا لنقل المعرفة تحت شعار: “إن أردت الاستثمار عندنا؛ فعليك أن تعلّمنا شيئًا مما تعرف”، ومنحت التعليم، ثم البحث العلمي، أهمية، وخصصت استثمارات كبيرة له، وفتحت الباب بالتدريج أمام القطاع الخاص؛ ليستثمر وفق خطة الحكومة وتوجهاتها، لعلمها أن  القطاع العام لا يملك المرونة والمؤهلات الكافية، وحررت أنظمتها التجارية والصناعية والخدمية والمالية تدرجًا، ولكنها أبقت نظام الحماية قائمًا، أي أخذت بنظام اقتصاد السوق على نحو انتقائي، على النحو الذي يحقق لها مكاسب، ويخدم تنفيذ استراتيجيتها الواضحة، وأبقت قبضة الحزب الشيوعي على البلاد قوية، ولم تطبق أي برنامج للانفتاح السياسي، ولكنها فتحت الحزب الشيوعي أمام رجال الأعمال.

هذه السياسة التي طبقتها الصين بكفاية، حققت لها معدلات نمو مرتفعة غير مسبوقة على مدى زمني غير مسبوق امتد لعقود حتى الآن، وابتدأت معدلات نموها السنوي برقمين، أي أعلى من عشرة بالمئة سنويًا، ثم انخفضت إلى أقل من عشرة بالمئة بالتدريج؛ لتستقر الآن في حدود تزيد عن الـ 6 بالمئة، وهو إنجاز عجز عنه أي اقتصاد آخر في العالم، وخاصة لدولة بحجم الصين التي يزيد عدد سكانها عن 1.3 مليار نسمة. وباتت الصين اليوم أكبر تاجر في العالم، والمُصدِّر رقم واحد، وأصبحت صادراتها تحتوي منتجات صناعات ذات كثافة رأسمالية ومنتجات ذات قيم مضافة مرتفعة، بل بدأت تتخلى عن الصناعات الخفيفة لدول مثل فيتنام بعد ارتفاع متوسطات الأجور وارتفاع تكاليف الإنتاج فيها. وأصبحت الصين اليوم تنافس على المركز الأول في العالم، ربما خلال عقد أو اثنين. وقد باتت الصين اليوم تحتل الموقع الثاني في العالم بناتج محلي يزيد عن 11 تريليون دولار، مقابل نحو 17 تريليون للولايات المتحدة، بينما تبتعد عنها اليابان التي تحتل الموقع الثالث لتهبط الى نحو 4 تريليون دولار، أي أن ناتج الصين يزيد عن ناتج من يليها في الترتيب بنحو 2.7 مرة.

في الوقت الذي يطرح فيه ترامب مشروعاته المعادية للعولمة، بغض النظر عن قدرته على تنفيذ ذلك، تطرح الصين مشروعها الطموح المسمى “الحزام والطريق”؛ إذ وضع رئيسها الحالي في عام 2013 مشروعًا طموحًا على مستوى العالم، يوطّد علاقات الصين التجارية والاستثمارية مع محيطها القريب، ومع الدول البعيدة عنها كذلك، ويصل حتى أوروبا مرورًا بالمنطقة العربية. وتسعى الآن لأن تكون عملتها اليوان أو الرنمينبي عملة عالمية، تحقق لها منافع عظيمة، كتلك التي يحققها الدولار للولايات المتحدة.

الصين اليوم تستفيد من العولمة، لذا تدافع عنها بقوة، بينما يبدو أن ترامب يهاجمها بقوة، فمن سينجح؟

سيفشل ترامب في دعوته طالما استمرت أبواب التجارة الحرة مفتوحة أمام انسياب السلع والخدمات من بلدان العالم الى الأسواق الأميركية دون أي قيد، لذا يحتاج لاتباع سياسة حمائية، وهي السياسة التي وقفت أميركا ضدها خلال تاريخها الطويل، وسيفرض رسومًا جمركيةً على منتجات الصناعات التي يريد تشجيعها (مثلًا يهدد بفرض رسوم جمركية تبلغ 30 في المئة على السيارات الألمانية) وسيضع قيودًا كمية، وقد يلجأ إلى منع الاستيراد وحظره تحت حجج مختلفة، أي سيطبق سياسات كتلك التي طبقتها سورية منذ ستينيات القرن العشرين.

فهل ستستطيع سياسات ترامب الشعبوية المعتمدة على تحريض المتضررين من العولمة من عكس اتجاهها، أم ستنجح المصالح التي تنتفع من العولمة بالمحافظة عليها وتوسيعها؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق