مقالات الرأي

مفاوضات آستانا بين الاختيار والاضطرار

يلبي وقف القتال في سورية حاجة جذرية للشعب السوري في الداخل والشتات، ولا سيما للنازجين واللاجئين والمهجرين (بالتأنيث والتذكير)، بل لعل النساء أكثر احتياجًا إلى ذلك، لأنهن الأكثر تضررًا من الحرب، وكذلك الطفلات والأطفال. ومن ثم، فإن خيار السلم أو مطلب وقف الحرب، خيار أخلاقي أو مطلب أخلاقي، لا يثلم الموقف من الحرية والكرامة والحقوق المدنية والسياسية المتساوية، لأن الحرب شر مطلق، تحت أي عنوان تخاض، وتحت أي شعار، فهي التتمة الموضوعية للاستبداد والتسلط، لا امتدادًا للسياسة. وهي لا تجلب السلام والأمن والطمأنينة، فضلًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطن والمواطِنة، بل تفرض شروط المتغلب في ميادينها. يعلمنا التاريخ أن الغالب يحوِّل قوته إلى “حق”، يقرر بموجبه مبادئ الحقوق والأخلاق، ويعاقب من لا يعترف بها شر عقاب. ولا يزال التاريخ تاريخ الغالبين.

من هذه الزاوية، تلبي المساعي، التي تقودها روسيا الاتحادية لتثبيت الهدنة والانتقال إلى الحل السياسي، بشروطها، حاجة الشعب السوري إلى التقاط أنفاسه وتضميد ما يمكن تضميده من جراحه، وهذه لا ترقى إلى مستوى حاجته الجذرية إلى السلام والأمن والاطمئنان وترميم وجوده الاجتماعي – الاقتصادي والثقافي والسياسي والأخلاقي، بعد أن صار في الحضيض. ولكن هذه المساعي تقترب من الاختيار الشعبي بعض الاقتراب، بحسب تقديرنا. والاختيارات الشعبية قلما يؤبه بها أو تؤخذ في الحسبان، بل لا يؤبه بها، عندنا، ولا تؤخذ في الحسبان، فيكون الشعب هو الخاسر الوحيد في الحرب والسلم.

هنا، يجب الاعتراف بالخسارة، لاختبار إمكانات تعويضها، واختيار أفضل هذه الإمكانات وأكثرها قابلية للتحقق؛ لأن عدم الاعتراف يزمِّن الخسارة ويضاعفها، على نحو ما كان لنا من الهزائم المتتالية أمام إسرائيل، ولا سيما هزيمة حزيران 1967 وتداعياتها. يجب الاعتراف بأن أكثرية الشعب أرادت، وكُسرت إرادتها، لا إردة الشعب السوري كله. فلعل من قبيل المجازفة المعرفية والأخلاقية أن يقال الشعب السوري أراد، والشعب السوري يريد. الذين أرادوا ويريدون هم أكثرية الشعب السوري من المُفقرين والمُهمَّشين والمقموعين والممنوعين من ممارسة الحياة الإنسانية، علاوة على مصادرة حرياتهم واهتضام حقوقهم، وهؤلاء من جميع الفئات الاجتماعية. فقد تتمخض هذه المجازفة عن عواقب وخيمة على الجسم الاجتماعي المريض بالاستبداد والتسلط وما يولدانه من تفاصل وفساد مرضًا مزمنًا.

لا نشك في أن روسيا الاتحادية اختارت أن تخوض الحرب في سورية اختيارًا، واختارت الدفاع عن النظام الذي يشبهها كثيرًا، ويضمن مصالحها، اختيارًا أيضًا. ولكننا لا نستطيع أن نجزم في كونها اختارت المفاوضات المزمع عقدها في آستانا اختيارًا، تمهيدًا لحل سياسي، لأن اختيار السيئ بدلًا من الأسوأ ليس اختيارًا حرًا وطوعيًا. ومع ذلك لسنا في صدد قراءة كف موسكو أو كف فلاديمير بوتين.

إذا كانت الحكومة الروسية قد اختارت خوض الحرب دفاعًا عن نفسها وعن مصالحها من سورية، (لا في سورية فقط)، كما نقل أحد المثقفين السوريين على لسان لافروف، وزير الخارجية الروسي، فإن هذا يعني أمرين متناقضين: أولهما أن الدفاع عن مصالحها في سورية يقتضي بقاء النظام السوري على حاله، لأنه الضمانة الوحيدة لهذه المصالح، وأي تغيير جدي وجذري في بنيته قد يعصف به وبالمصالح التي يضمنها، روسية كانت هذه المصالح أم إيرانية أم غير ذلك. والثاني أن دفاع روسيا عن نفسها من سورية، كما تدعي حكومتها، يقتضي أن تكون رؤيتها أبعد من حدود النظام السوري القائم، وتتعداه إلى الشعب السوري وما يمكن أن يكون عليه نظامه الاجتماعي والسياسي في المستقبل. والحكومة الروسية تدرك جيدًا أن غالبية الشعب السوري تنظر إلى “الروسيا” على أنها دولة محتلة، بغض النظر عن التخريج القانوني، وأن هذه الغالبية لن تقبل بالاحتلال، ولن تقبل به دول أخرى كثيرة، عربية وغير عربية. القوة العسكرية ليست المعنى الأخير للتاريخ. فلعل اختيار الحكومة الروسية (والبرلمان الروسي أيضًا)، في الأمس قد تحول إلى اضطرار، واضطرارها اليوم قد يتحول إلى اختيار آخر غدًا أو بعد غد.

غير أننا يمكن أن نجزم في أن الأطراف السورية المتصارعة عسكريًا، والتي وافقت على التفاوض، في آستانا، قد اضطرت إلى هذا اضطرارًا، بحكم أوضاعها الذاتية المتردية أولًا، وخسارة معظم ما سمي حاضنتها الشعبية واحتياطيها البشري ثانيًا، والضغوط الخارجية عليها ثالثًا، لا استجابة لحاجات الشعب السوري، ما يعني أن مساعي وقف الحرب، إلا على جبهة النصرة وتنظيم داعش ومن يدور في فلكهما أو يلوذ بهما، هشة وقابلة للانعكاس. فما أن تتغير دواعي الاضطرار قليلًا أو كثيرًا، لدى أي طرف من الأطراف، حتى تعود الحرب إلى أسوأ مما كانت عليه.

المفارقة التي نريد التوقف عندها هي التناقض، الذي يكاد أن يكون مطلقًا، إذا كان ثمة من مطلق، بين اختيار الشعب واضطرار العسكر إلى التفاوض، ومن ثم، تناقض مصالح أكثرية الشعب ومصالح العسكر تناقضًا يكاد أن يكون مطلقًا، منذ انفصل هؤلاء عن الشعب واختار كل منهم شعبه المقاتل بالسلاح وغير السلاح. وهذا يعيدنا إلى المجازفة المعرفية والأخلاقية في تخصيص الشعب أو تنسيبه، التي أشرنا إليها، ويمكن أن يعيد الأوضاع إلى أسوأ مما كانت عليه.

العسكر سوف يصنعون السياسة، بصورة مباشرة، في آستانا، وربما بصورة غير مباشرة في جنيف، ومن سيفعلون ذلك كلهم ارتكبوا جرائم موصوفة وموثَّقة، أو أُمِروا بارتكابها أو تغاضوا عنها أو برروها، على مرأى ومسمع من العالم، الذي تخلى عن ضميره. أي إن مؤسسة الحرب هي التي سوف تصنع السياسة، وتعيِّن مؤسساتها وأشكال عملها وآليات اشتغالها، وتقرر مستقبل البلاد، باسم “شعبنا الأبي” و”ثورتنا المجيدة”، ونعود، نحن المدنيين، المهانين المذلين، أشلاء الشعب السوري المتنثرة على خريطة العالم، قطعانًا بشرية ترعى خارج حقل السياسة. نتوقع هذا، لكيلا نتفاجأ يوم تدوسنا أحذية هؤلاء الأشاوس، مثلما تفعل اليوم وأكثر، إذ نخشى أن يقتص كل منهم من خصومه وممن خذلوه، ولم يهبوا إلى نصرته، بطريقته الخاصة. فالجرح الذي يلتئم على دغل قد يقتل صاحبه إذا لم ينفجر.

لعل المقاربة الروسية لتثبيت الهدنة والتمهيد لـ “الحل السياسي” لا تلبي سوى مصالح العسكر والمخابرات، بصورة أساسية، لأنها سوف تعفيهم على قدم المساواة من المساءلة والمحاسبة، وتعفي الروس أنفسهم والإيرانيين وميليشياتهم، وكذلك الأتراك والخليجيين، وكل من أسهم في إشعال هذه الحرب وإذكاء نيرانها من مسؤولياتهم المادية والقانونية والسياسية، ولن نقول الأخلاقية.

الاختيار فعل من أفعال الإرادة، ودليل على حريتها، بل يتضمن معنى الحرية، ولكنه لا يكون كذلك إذا كان اختبارًا بين سيئ وأسوأ.

ستظل الحرية على جدول الأعمال.

مقالات ذات صلة

إغلاق