أدب وفنون

المكدوس والإبداع

لا ننكر عشق السوريين للمكدوس، والتغني به كأحد أصناف مطبخنا المتفرّدة، ويقول شاعر شاب إنه يحلم بأن يجري توظيفه خبيرًا في تذوّق المكدوس، ويفضّل ذلك على وظيفة متذوّق النبيذ المعروفة في أوروبا.

انتظر عديد من الكتاب المشهورين سنوات حتى نُشرت نصوصهم الأولى في مجلات مختصّة، تعرّض بعضهم للرفض، وآخرون للسخرية، نزار قباني رفضته المجلات، والمصري علاء الأسواني عانى كثيرًا في نشر رواية له حقّقت شهرة كبيرة. في المقابل، هناك من اختصر الطريق وبات هو السلطة.

صفحات، منصّات إلكترونية، مدوّنات، تقوم بنشر إبداعات ونصوص شابة. لنفترض أن هذه الصفحات هربت من احتكار دور النشر، ولكن، ألا تسعى لنوع آخر من الاحتكار؟ ألا تخلق تراتبية جديدة في الفضاء الجديد، لا نعلم ما مصدرها؟

أنشئ صفحة، جمّع بعض النصوص، كدسها، واصنع شهرة لأصدقائك وأبناء مدينتك رسميًا، عبر هذه الهالة الكاذبة.

هل ترمي هذه الصفحات حقًا لاكتشاف المواهب ودعمها؟ فمن هي؟ ومن يقيّم النصوص؟ وما الهدف من ذلك؟ مجلة (س) التي قد لا تعرف أن خلفها شخص وحيد، مدونة (ع) التي تنشر لأصدقاء مالكها، صفحات المختارات (قصيدة النثر) أو (ومضات ونصوص قصيرة)، تأتيك رسالة: (الشعر العربي يطلب صداقتك) هذا جميل، ولكن من خلف الصفحة؟ لا نعلم.

الإنترنت وسيلة للتعبير الحر، مجانًا، وغير خاضع بطبيعته لأي رقابة، ولا يحتاج إلى موافقة عند النشر؛ فلِمَ هذه الرقصة التهريجية، لم هذه المحاولة لخلق السلالم في الهواء؟ هل هي رغبة لمجموعة من الشباب في التسلط، وممارسة الرفض والمنع، وإخراج النصوص على مقاسهم، وهم ليسوا أكثر من ضحايا دكتاتوريات ثقافية سابقة؟ وإذا كان رفض النشر يخلق عند المبدع حالة من المساءلة، فالنشر –هنا- بات عاملًا للتشبث بالرأي، والانكفاء على الذات، وهذا يقتل حياتنا الثقافية قتلًا مقيتًا.

واليوم، عندما يتعرض نص للرفض من موقع ما، قد يضيع الكاتب قبل أن يعرف: هل رفض النص لأنه سيئ أو مسيء، أم أن الموقع بحدّ ذاته خُلَّبي؟!

إذا كنت تريد أن تساعد كاتبًا شابًا موهوبًا، فمن أنت؟ دار نشر؟ داعم ثقافي؟ كاتب محترف ومشهور ولك باع طويل في المهنة؟ مؤسسة مالية ضخمة.. عامة أم خاصة؟؟ عرّف عن نفسك!! إذن؛ أنت مريض بحاجة للتسلط، لتشبع شهواتك في الانتقام ممن قالوا إنك لا تصلح لمؤسسات النشر الحقيقية، فقررت صناعة وهم وأسطورة مجانية بمرافقة زملاء الفشل الحقيقي.

أيضًا، منصات تهتم بنوع معين من الكتابة الإبداعية، ولا تريد الخروج منها. ربما كان هذا-على ما يبدو- نضجًا ومعرفة للطريق، وليس انغلاقًا. وقبل ذلك، ربما كان الهواء في الفضاء الرقمي ملوّثًا، ويريد هؤلاء الاحتماء بدفء البيت، أو القبر!

بعيدًا عن المنتج التداولي السريع في صفحات إلكترونية للتحليل السياسي الشعبي والطرائف، كالصفحة الشخصية الإشكالية (عمر سليمان)، ألا توجد مئات المدونات الشخصية الجادة الناجحة؟ نجد، مثلًا، صفحة لكاتب واحد استطاع أن يخلق -بموهبته وأسلوبه الساخر- حالة جماهيرية يستطيع من خلالها أن يعبّر كما يشاء، ويصل صوته إلى مئة ألف متابع، وإن اختلفنا معه، ومع مزاجيَّته وسياسته في ترويج الرائج، فإنه يسير من دون أن يؤذي أحدًا، كاشفًا عن اسمه، ولم يلجأ سوى لموهبته، أو يستتر في رداء شلة أدبية يمجدها وتمجده وتمنحه ثقة عمياء. لنسمّي هذا الشخص باذنجانة!! ولكنه أرحم من المكدوس.

اكتشف نفسك وساعدها بدل أن تنشئ صفحات، وتقيّم الآخرين، وتنشر نصوصًا على ذوقك. لا تقلق إن اصطدمت بمجلات شللية أو بمؤسسات ربحية في العالم الخارجي، فستجد فرصتك إن كان عندك شيء يصلح للنشر. أمامك الانترنت لتنشر ما تشاء دون سلطة أحد، ولكن لا تستخدمه وسيلة للنصب على الناس، وصنع سلطة جديدة.

قد يقال إننا نتكلم عن الهواء، وننسى الماء. ومع أن الهواء أهم من الماء، هل يتنفس المبدع بحرية؟!

نعم، متى ستخرج الكتابة عندنا من اللعب والاستعراض التهريجي إلى، لا نقول صناعة، ولكن العمل البناء القائم على معايير مهنية وإنسانية؟ متى سترويها مؤسسات حقيقية بشكل مثمر وحر وخلَّاق؟

أليس على الكاتب أولًا أن يكفَّ عن عدّ نفسه مرجعيّة؟

مقالات ذات صلة

إغلاق