مقالات الرأي

أينعمجي

سألني أحد أبنائي، وكان ناشطًا مع زملائه الشباب في بدايات الثورة السورية، “هل السيد (ع) منحبكجي أم أينعمجي؟”. ونظرًا لعدم معرفتي معنى المصطلح الثاني بالضبط، قلت: لا أظنه هذا ولا ذاك. هو يقول إن النظام مستبد وفاسد وكذاب.. ولكن.. فقاطعني: “خلص، أينعمجي”. وشرح قائلًا: نحتنا، أنا ورفاقي الشباب هذا المصطلح للدلالة على هؤلاء الذين يقولون: أي نعم النظام فاسد، أي نعم النظام مستبد، أي نعم يدّعي المقاومة والممانعة كذبًا، أي نعم يسرق لقمة عيش الشعب ليكدس رجالُ عصاباته الثروات… ولكن ماذا نفعل؟ ليس باليد حيلة. هو قوي والشعب ضعيف ولا بديل أفضل منه…

وخلال سنوات الثورة الست، كثر الأينعمجية.

أوباما صار أينعمجيًا: أي نعم بشار الأسد فقد شرعيته، أي نعم الأسد يقتل شعبه ويدمر بلده، أي نعم رجال مخابراته يرتكبون جرائم ضد الإنسانية… ولكن لا حيلة لنا لعمل شيء، ولن نخوض حربًا مع روسيا لإزاحته.

الأوروبيون أيضًا صاروا أينعمجية: أي نعم النظام السوري دكتاتوري وفاسد ويقتل شعبه… ولكن لا نرى بديلًا له غير الإسلاميين المتطرفين، الذين نعاني من إرهابهم في المدن الأوربية، وسيكونون أسوأ منه لو استلموا السلطة.

وكثر الأينعمجية بين السوريين داخل سورية وخارجها. فكثير من الذين أيدوا الثورة ووقفوا إلى جانب الثوار في بدايتها، أصيبوا بالإحباط بعد أن رأوا أن العالم كله يدعم النظام المستبد المتوحش، أو على الأقل، يصمت عن جرائمه، ويترك السوريين لمصائرهم، التي ندر أن واجه شعبٌ مصائر مثلها. فصاروا يرددون: أي نعم النظام مجرم وسفاح وفاسد و.. و.. ولكن الثمن الذي ندفعه باهظ جدًا، وبلا جدوى. ويستنتجون بالتالي، “ليتها ما كانت” الثورة، ولا وصلنا إلى ما وصلنا إليه.

سيقول بعضهم، بعد قراءة ما سأكتب: هذا واحد مرتاح، غادر سورية منذ وقت طويل، ولم يعانِ مما يعانيه السوريون. صحيح أنني غادرت سورية، مكرهًا، منذ عشرين عامًا (تتساءلون لماذا مكرهًا؟ إذا صرفت النظر عن أي مضايقات كنت أتعرض لها بسبب آرائي ومواقفي، فإن دخلي، بوصفي أستاذًا جامعيًا لم يكن كافيًا لتلبية أبسط حاجات أسرتي). ولكنني أحب سورية، وأحب قريتي الصغيرة التي ترعرعت فيها، وكنت، في سنوات غربتي، أقضي صيف كل عام في بيتي البسيط في تلك القرية، أستمع إلى قصص فلاحيها الظرفاء، وأعتني بالشجرات حول البيت، وأتذوق طعم العنب والتين في كرمي الصغير الذي زرعت شجيراته بيديّ. أما اليوم فيقول لي أخي على الهاتف: “يا أخي الشجر حول بيتك عم ييبس، شو نسوي؟ نشتري مي..”، فأبتسم. بيتي؟، شجراتي؟ من يعرف ما إذا كنت سأراها يومًا؟ ما همّ الشجر يا أخي إذا كان الناس يُقتلون ويشردون؟

لقد عانيت، ولا أزال أعاني، مثل أي سوري آخر: أبنائي، الذين أحتاجهم الآن أكثر من أي وقت مضى لإعانتي على “كبرتي”، كل واحدة منهم بديرة (حرفيًا). غادروا بعد أشهر وسنوات من القلق، بل الرعب، الذي لا يوصف من أن يساق أصغرهم إلى الجيش؛ ليشارك في قتل أبناء بلده، وربما أقاربه وأبناء قريته، ومن أنّ أحدهم لن يخرج حيًا، لو تسنى لهم اعتقاله…

لن أواصل هذا “البوح” الشخصي الذي لم أعتد عليه. ما أود قوله هو أن الثورة السورية كانت أمرًا حتميًا. كان لابد للشعب السوري أن يثور، في آذار/ مارس عام 2011، أو قبل ذلك، أو بعد ذلك، بأشهر أو سنوات.. والذين يقولون: أي نعم… ولكن… لا يجيبون عن السؤال الجوهري: ماذا تريدون؟ أن تظل رقاب السوريين تحت بساطير العسكر، وأجسادهم تحت كرابيج المخابرات؟ وإلى متى سيظلون يرون الظلم والقهر في أعينهم، هذا إذا لم يتعرضوا له مباشرة، وهم صامتون خانعون؟

هل كان الثوار يتوقعون هذه الدرجة من الوحشية التي مارسها النظام الأسدي ضدهم؟ بالتأكيد لا. وهل كان عليهم أن يتوقعوا ذلك؟ لا أعرف. ولكن الذي أعرفه أن الثورة كانت عفوية دون أي تخطيط مسبق. كانت نوعًا من التساوق مع ثورات الربيع العربي الأخرى، وكانت شرارتُها الأولى ردَّ فعل على أفعال فظة ولا أخلاقية ولا إنسانية من بعض رموز النظام.

هل كان على الثوار أن يعرفوا مسبقًا أن إسرائيل ومناصريها في العالم، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، لن يسمحوا بإقامة نظام ديمقراطي على أنقاض نظام الأسد؟ وأن إيران وميليشياتها اللبنانية والعراقية والأفغانية وغيرها سترى في الثورة فرصة للانقضاض على الشعب السوري، وتهجيره للحلول محله، وتكريس النفوذ الإيراني شرق المتوسط كله؟ وأن روسيا ستجد في احتمال سقوط نظام الأسد فرصة للتدخل، ولإعادة فرض نفسها قوةً عظمى، تساوم الغرب على مصالحها في العالم كله من خلال إمساكها بأوراق الحل السوري؟

وهل كان عليهم أن يعرفوا مسبّقًا أن المتطرفين، الذين يرفعون راية الإسلام زورًا وبهتانًا، سيستفيدون من الفرصة التي أتاحها لهم نظام الأسد، وسيتقاطرون من مختلف بقاع الأرض ليركبوا موجة الثورة ويأخذوها نحو اتجاهات لا علاقة لها بالأهداف التي قامت من أجلها، وليقيموا “خلافتهم” في سورية والعراق، لكي يحشد العالم كله “قواته وإمكاناته” لمحاربة الإرهاب الذي يمثلونه، بدلًا من محاربة إرهاب نظام الأسد؟

لم يكن شباب الثورة يعرفون كل ذلك بالطبع. ولم تتوقع ذلك كله حتى “القيادة السياسية” أو “القيادة العسكرية” اللتين فرضتا نفسيهما (أو تم فرضهما) على الثورة. ولا أظن أن أحدًا في العالم كله كان يتوقع أن ينفذ النظام تهديده “الأسد أو نحرق البلد”، دون أن يواجَه بغير كلمات الشجب والتنديد التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

هل شاب الثورةَ “عيوب”؟ نعم. وأين هي الثورة التي حصلت دون عيوب؟ لكن جوهر المسألة لا يكمن هنا. جوهر المسألة يكمن في أن النظام الذي حكم سورية نصف قرن لم يكن ممكنًا له أن يستمر في قهر السوريين من دون رد. هو يكمن في أن الثورة قائمة لا محالة. هل أصاب التوقيت أم أخطأ، أكانت الخطوات المتبعة صحيحة كلها أو بعضها، أكان الانتباه لمتسلقي ركب الثورة كافيًا أم لا… تلك مسألة أخرى.

والثورة ستصحح أخطاءها عبر مسيرتها الطويلة المعقدة. وستجد طريقها نحو النصر، طال الزمن اللازم لذلك أم قصر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق