قضايا المجتمع

“خنساء الساروت”… كم من خنساوات سوريات!

لم تسمح للهيب اليأس أن يكوي وجنتيها، على الرغم من تحجّر الدمعة في عينيها، وهي تكرر كلماتها الدائمة “الحمد لله، الله عطاني والله أخدهم”، إنها “خنساء الساروت”، المرأة التي تُرفع لها القبعة احترامًا لصبرها وتضحياتها.

بتجاعيد وجهها التي أعطتها وقارًا فوق وقارها، قالت والدة أيقونة الثورة “عبد الباسط ساروت”، المرأة التي تستحق لقب “خنساء الساروت”، الأم لسبعة شبان، والمعروفة بأم وليد، تقبّلت فُقدان زوجها وخمسة من أبنائها وخمس من أخواتها، واثنين من أحفادها، بقلب صبور، لتواصل ممارسة “الصبر والتحمل” مع فقيدها الخامس “بسام”، الذي لم تقتله القذائف والشظايا، بل خطفه الموت خلسة بجلطة أودت بحياته، ليترك أمّه تتّقد بلوعة الأم.

أخبرتنا خنساء الساروت، بابتسامة ممزوجة بالطيبة والوقار، مع لمعة في عينيها تجمع فيها كل أنواع التعب وأقوى أنواع الإيمان: “لقد رأيت عبد الباسط قبل موت أخيه بيوم واحد. لم أره مطولًا، على الرغم من شوقي الكبير إليه”.

وأضافت: “لم يتمكن عبد الباسط من المجيء إلى منزلنا؛ لرؤية أخيه وأولاد أخيه، إنهما طفلان يتيمان، فذهبت أنا لأراه بعد عام من غيابه، وكم كان اللقاء حميمًا بعد صبر، ولم أتوقف عن تشجيعه ليشق طريقه في الثورة والجهاد، فالله الحامي”، قالت كلماتها الأخيرة عن لقاء عبد الباسط بقلب يرقص، لكنها ما لبثت أن عادت، وتذكرت مصابها الأليم.

سردت أم وليد قصة فقيدها الخامس، الذي تعرّض لجلطة، بعد يومين من دخول أخيه عبد الباسط إلى سورية، فبعد يوم من رؤيتها لعبد الباسط، عادت إلى منزلها، وقالت “سهرت مع ابني بسام، وكان في صحة جيدة. في صباح اليوم التالي، تعرض لنوبة قلبية حادّة. نقلناه إلى مستشفى في ريف حلب، لكن المستشفيات رفضت استقباله لسوء حالته، وحولته إلى مستشفيات تركيا. أخذت ابني وحيدة أسابق الزمن، فعبد الباسط لا يستطيع التحرك بحرية عبر الحواجز، وابني الآخر في ريف حمص، أخذته إلى الحدود التركية”.

وتابعت: “لم توافق الجندرما التركية على دخولي في بادئ الأمر؛ لعدم وجود بطاقتي الشخصية، ولكن أحدهم تعاطف معي وأدخلني إلى الأراضي التركية عن طريق معبر باب الهوى، وصلت إلى المستشفى، وكنت أعلم أني لن أعود إلى البيت برفقة بسام، وصلنا إلى المستشفى، وكنت فقدت الاتصال بالجميع خلال تلك الساعات، بعد أقل من ساعة توفي بسام، ليلحق بأبيه وإخوته، ما كان علي إلا أن أقول فوق جثمانه (سلّم لي على الأحباب)؛ لينُقل جثمانه في اليوم التالي، ويدفن في ريف ادلب”.

روت خنساء الساروت، حالات استشهاد أبنائها الواحد تلو الآخر: “استشهد ابني الأكبر، وليد، مع ثمانية شُبان بقصف طائرة لمنزل كانوا فيه، وكانت صدمتي الكبرى الأولى، استشهاد البكر، ثم استشهد ولداي الآخران بمجزرة المطاحن”، وتمتمت بصوت حزين “الحمد لله، الله أحبّهم، الله أصطفاهم”.

وتابعت: “استشهد ابني الرابع في معركة بحمص، أما صديق عمري وزوجي، فقد استشهد بعد أن أخطأ ذات يوم في الطريق مع أحفادي وزوجة ابني الأكبر، لتبدأ قوات النظام بإطلاق النار عليهم من أحد الحواجز”.

ومن فجائع المرأة أن تُقتل حفيدتُها ذات العامين بشظايا قذيفة، وأضافت، وهي تختم سيرة مآسيها: “أصيب حفيدي من ابنتي، وعمره 16 عامًا، في إحدى المعارك ضد قوات النظام، وقد مات اثنان من أولادي، واثنان من إخوتي في العام نفسه، نحسبهم عند الله شهداء”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق