كلمة جيرون

إمساك الثور من قرنيه

كثر الحديث في الأيام الأخيرة عن “إعلان موسكو”، و”مؤتمر أستانة” الذي نتج منه، وذهب كثيرون بعيدًا في التحليل والتركيب، والجزم بأهمية هذا المؤتمر، وبأنه “سيُخرِج الزير من البير”، وتتبّع المراقبون والمحللون والمعارضون السوريون كل خطوة وتصريح وهمسة روسية صدرت في أعقاب الاجتماع الثلاثي، وفسّروها، كلٌ وفق معاييره، وربما أهوائه ورغباته.

بسرعة وعجلة، بدأ الحديث عن نيات روسية “طيّبة”، وعن رغبة “الدب” بوضع حد لإيران وللميليشيات الطائفية المنفلتة غير السورية (والسورية) التي تُقاتل إلى جانب النظام، وعن شرطة عسكرية “موسكوفية” لحماية أطلال حلب من النهب (بعد خراب مالطا)، وعن نيّة سيّد الكرملين المضي “بحزم” في الحل السياسي، وكذلك تسارَعَ الحديث عن قرب حلٍ، أو شبه حل، يمكن أن تُمرّره “صرامة” الروس التي ظهرت على حين غرّة، وقلّة من فكّر بالتريث قبل وضع بيضه في سلّة مثقوبة.

يُعرف المكتوب عادة من عنوانه، ويُعرف قطيع الخيل الأصيل من طلائعه، كما يُعرف حجم العاصفة من النسمات التي تسبقها، وعليه، فكل المقدّمات -حتى اللحظة- لا توحي بخيول أصيلة ولا بعواصف ولا برسائل تحمل ما يمكن أن يُفرح قلوب السوريين.

مبدئيًا، يمكن -ببساطة- توقّع فشل أي اتفاق لا تشارك فيه الولايات المتحدة، كما يمكن توقّع فشل أي اتفاق لا يُشرِك الدول العربية والأوروبية ذات الصلة بالملف السوري، ويمكن الحديث -بثقة- عن فشل أي اتفاق تُشارك فيه المعارضة السياسية المُصنّعة، أو القوى العسكرية المُرقَّعة، تلك المتهافتة التي لا تمتلك قرارها، ولا تمتلك -أساسًا- موقفًا جذريًا من النظام الأمني الاستبدادي، ولا رؤية لما سيأتي. وكذلك، يمكن الجزم بفشل أي حلٍ لا يضع حدًا فوريًا لإيران وطاعونها.

من الواضح -حتى يثبت العكس- أن روسيا تتعامل مع الإيرانيين بكثير من التيه، فلم تُبدِ أي نيّة واضحة لوضع حد لآفاتهم المُستفحلة في سورية، ولا لوقف تغلغلهم في المجتمع السوري، وتخريبهم بنيته، وبثهم سموم الطائفية والحقد، وسعيهم للوجود في كل مكان، مباشرة أو عبر عملاء أو وكلاء أو مرتزقة، مدنيين وعسكريين، ولتشغيلهم للإرهاب من تحت ستار، ولا لتلوّنهم وباطنيتهم، كما أن روسيا لا تريد الاعتراف بأن الاستراتيجية الإيرانية في سورية تنسف أي حل، كائنًا من كان واضعه.

يقولون، إنك إن لم تستطع أن تُمسك الثور من قرنيه، فلن تستطيع أن توقفه إذا أمسكت به من ذنبه. وعليه، وببساطة، إن كانت روسيا جادّة في مساعيها، وحريصة على إطفاء نار جهنم المشتعلة في سورية، وإغلاق بوابات القيامة، عليها أن توقف “الثور”، وأن تُعلن جهارًا أن إيران عنصر غير مرغوب به في سورية، لا هي ولا كل المرتزقة والميليشيات التابعة لها، وأن تحدد مهلة زمنية لخروجهم، أو بالأصح إخراجهم من سورية، ودون هذه المقدمات، كل ما تقوم به روسيا لن يوصل إلى أي نتيجة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق