تحقيقات وتقارير سياسية

المصالحات وعود كاذبة وإعادة تعويم للنظام

شكلت تجربة التهجير القسري لمدينة درايا في ريف دمشق الغربي، نهاية آب/ أغسطس الماضي، علامةً فارقة، أو نقطة تحوّل مصيرية في ما يتعلق بمعاقل الثورة في محيط العاصمة السورية عامة، إذ لم تقف عجلة التغيير الديمغرافي عند حدود داريا، بل تعدتها إلى مناطق عديدة، كان آخرها خان الشيح ومدينة التل بريف دمشق، ومدينة حلب شمالي البلاد.

تُعبّر سياسة التهجير القسري، عن تقاطعات مصلحية إقليمية دولية، لإعادة إنتاج المنطقة عبر البوابة السورية، بالارتكاز على منح طهران “الشيعية” دورًا بارزًا في السيادة على الإقليم، نظرًا لإمكاناتها “المُجربة” في تفتيت المجتمعات طائفيًا ومذهبيًا، ولأن “طموحها” لن يقف عند ما وصلت إليه، بل سيطال مناطق أخرى، في حال لم تتخذ القيادة العسكرية والسياسية للمعارضة إجراءات عملية ملموسة حالًا، دون أي تأجيل.

اعتمدت خطط التغيير الديمغرافي، التي طُبقت في حلب تطبيقًا مفضوحًا، على مفهوم المصالحة والعودة إلى حضن الوطن من وجهة نظر النظام، واستندت إلى وعود براقة من الأخير، تُؤكد عودة الحياة إلى طبيعتها دون مضايقات أو انتهاكات بحق من يبقى في تلك المناطق بعد خروج “حُمَاتها”، فهل حقًا كانت المصالحة أفضل من الخروج عن سيطرة النظام السوري، والاستقلال عنه إداريًا وسياسيًا؟، وهل كان هذا المفهوم -المصالحة- يستحق ما دّفع من أثمان؟

الكذبة الكبرى

يؤكد معظم الناشطين الخارجين من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، في محيط العاصمة دمشق باتجاه محافظة إدلب، شمالي البلاد، أن كل ما أُشيع عن مسألة المصالحات، وفتح صفحة جديدة، مع من يتبقى داخل تلك المناطق، مُجرّد مسرحية من النظام لسحق الثورة في الحواضن القريبة من معقله في دمشق، وإعادة تجنيد الشباب ضمن ميليشياته التي تقاتل على جبهات المناطق الخارجة عن سيطرته، مُعتمدًا في ذلك على حالة الهلع والخوف بين صفوف المدنيين، ولا سيما أن غالبية المناطق في محيط العاصمة، التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة، تضم أعدادًا كبيرة من المُهجّرين من المناطق الأكثر سخونة، إلى جانب ما يُسمى بلجان المصالحة داخل تلك المناطق التي تُسوّق لوعوده الكاذبة، على حد تعبيرهم.

وحول هذه النقاط، قال الناشط هارون الأسود لـ (جيرون): إن “ما قيل عن المصالحات هو محض أوهام وكذب، وكل ما جرى تطبيقه من تلك الوعود، هو خروج قوات المعارضة من البلدات والمناطق، وعودة ميليشيات النظام للتحكم بمصائر المواطنين، وعلى الرغم من كل ذلك، ما تزال لجان النظام تُروّج لتلك الأكاذيب، ربما لأن تلك اللجان لم يعد لديها ما تحفظ به ماء الوجه، ولا سيما أنه لم يعد هناك قوة عسكرية تستند إليها بعد خروج قوات المعارضة من قدسيا والهامة”.

وأوضح أن الأوضاع المعيشية، ربما، تحسنت قليلًا، فالحصار المُطبق لم يعد مفروضًا على المنطقيتين، ولكن هل هذا يكفي؟ هناك مخاوف حقيقية على مصير أهالي المدينتين، ولا سيما على مصير المئات من المُتخلفين عن الخدمة العسكرية، مع تصاعد ضغوط النظام لتسليمهم”، ويشير الأسود، إلى أن من يحكم قدسيا والهامة اليوم هو “الحرس الجمهوري والدفاع الوطني، عن طريق تجنيد عدد من أبناء المنطقة أو إغراء من تبقى من قوات المعارضة بإتلاف ملفهم الأمني، مقابل العمل تحت رايتهم وتوزيعهم على حواجز عند المداخل الرئيسة، وهي حاجز ضو القمر، مفرق الهامة، شارع الخابوري، معمل غودي، مفرق قدسيا، نزلة الأحداث، مدخل الخياطين، المنصورة، جامع الصحابة”.

من جهته، قال مصدر في صفحة “عين على دمشق”، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لـ (جيرون): إن “حالة من الهلع تُسيطر الآن على قدسيا والهامة، ولا سيما مع استمرار المداهمات التي تشنها ميليشيات النظام داخل الأحياء السكنية؛ بذريعة البحث عن أسلحة، وقد سُجّلت حالات عديدة لسرقة المنازل خلال عمليات الدهم والتفتيش، وأخطرت قيادة العسكرية من جانب النظام لجان المصالحة، أخيرًا، بضرورة تسليم نحو ألفي شاب داخل قدسيا والهامة؛ للالتحاق بالجيش السوري وميليشياته، ولا يتضمن هذا العدد المطلوبين للخدمة الإلزامية أو الاحتياطية. الآن هناك خطر حقيقي على المطلوبين للخدمة الإلزامية والمُنشقين، خاصةً بعد اعتقال عدد منهم، أو من أولئك المطلوبين للاحتياط”.

شق الصف

يرى بعضهم أن النظام استطاع أن يضرب حالة الإجماع داخل تلك المناطق، وتمكن -كذلك- من إحداث خلافات ونزاعات مبنية -أساسًا- على اللعب بورقة المدنيين وحمايتهم، ومنعًا لمزيد من الشقاق في وحدة الصف، وجّه عدد من ناشطي المناطق، التي عايشت تجارب المصالحة والتهجير القسري، رسائل إلى بقية مناطق الريف الدمشقي، لعدم الانجرار وراء هذا الفخ، والبحث عن طريق آخر، بإمكانه إيقاف هذه السياسة التي بات واضحًا أنها تسعى لإعادة تعويم نظام الأسد، كما قالوا.

في هذا الجانب، قال الأسود: إنه “من الصعب التكهن بمآلات الأمور في مناطق الريف الدمشقي. أعتقد أن المصير مجهول ومفتوح على جميع الاحتمالات، فالمصالحات كانت فخًا، وعقبة كبيرة وخطرة في طريق نضال الريف الدمشقي لإسقاط هذا النظام، ولم تكن هذه الخطط لتمرّ لولا الحصار والنقص في الذخيرة، وعدم توفر خطوط الإمداد، وهذا ما حصل في قدسيا والهامة إذ وافقت قوات المعارضة، في النهاية، على الخروج حماية للمدنيين أولًا، ولنفاد الذخيرة وعدم وجود سلاح نوعي بحوزتهم ثانيًا، ومع ذلك؛ نحن نُعوّل على الصامدين في خطوط التماس على حدود دمشق؛ لأنهم يعرفون جيدًا ما المطلوب، وسيعملون لاتخاذ ما يلزم لإيقاف هذه السياسة”.

ولم يختلف رأي (عين على دمشق) كثيرًا عن الأسود حول هذه النقطة، إذ يتوجب تحذير “مناطق ريف دمشق خاصةً، وسورية عامة، من الانخراط في فخ المصالحات، لأنه وبمجرد خروج قوات المعارضة، سيجري اعتقال الشبان المتبقين وسوقهم إلى الخدمة، وسرقة المنازل وزج الرجال دون عمر 45 سنة في خدمة الاحتياط، وبعدها تبدأ حملات الاعتقالات التعسفية، ومن المؤكد ستُعتقل النساء، تمامًا كما حدث في قدسيا والهامة قبل أيام، ولذلك؛ الموت تحت البراميل والقذائف، أفضل من هذه المصالحات التي يروج لها النظام ولجان المصالحات”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق