مقالات الرأي

هل بدأ تقبُّل عملية التغيير الديمقراطي في سورية؟

يستند هذا التساؤل إلى استنفاد شبه تام لطاقة الصراع في سورية، وتحوّله إلى لعبة دولية وإقليمية، مع تزايد قناعة كثير من السوريين الواقعين في تقاطع النيران، بضرورة وقف الحرب ونبذ المواقف المتطرفة لصالح حالة انتقالية، تمهّد لتغيرات مستمرة، ولو بطيئة، في الواقع السوري المنهك، إذ إنّ ذلك أفضل بكثير من استمرار القتل والدمار، على أن يبدأ الأمر من حيث انتهى؛ أي من الحلقة الدولية المؤثرة والضامنة لخروج كل الميليشيات الطائفية من سورية، فلا بديل عن التوافق الدولي في المدى المنظور، والذي يأخذ الآن طابع احتلال مباشر أو نفوذ على الأرض، كمرحلة موقتة وكافية لانتعاش المجتمع السوري المنهك.

في غضون ذلك، يتزايد إدراك الناس لمخاطر الاستبدادين: السياسي والديني معَا، أو كلّ على حدة، بعد أن ذاقوا الويلات من حربهما المدمرة التي اعتاشت على دمهم وحريتهم وكرامتهم، ما قد يساهم في تعبيد مسار التطورات المنتظرة.

يشكل الاستبداد الديني حالة كامنة وأرضية ملائمة لنشوء الاستبداد السياسي؛ بسبب امتزاجه بثقافة الناس العاديين، وقد ارتبط الدين في أذهانهم بممارساتٍ طقوسية في مذاهب متعايشة في أفضل الحالات. لم تتغير هذه الحالة جوهريًا منذ العهد الأموي، وحان الوقت للتفكير بنظام سياسي جديد ينبثق من عدمية الصراع الحالي، ويحقق حلم السوريين بحياة حرة كريمة.

أواخر تسعينيات القرن المنصرم، في نهاية إحدى محاضراتي بجامعة تشرين في اللاذقية، اقترب منّي أحد الطلاب، ودعاني بلطفٍ، لكن بثقة، لتطبيق أركان الإسلام، وقال بأنّ تفانيَّ في العمل ومعاملتي الحسنة لطلابي مرهونةٌ بالتزامي الديني، الذي سيكتمل من خلاله إيماني، بوصفي مسلمًا؛ فالدين عند الله الإسلام!

استنادَا إلى هذه النظرة التبسيطية المتوارثة، ومهما أتقن عمله وصَلُح سلوكه، يبقى الفرد بحاجة إلى “صك غفران” ديني من هذا المذهب أو ذاك، بخلاف مبرر وجود الأديان ذاتها، وهو العمل الصالح على قاعدة “خير الأعمال ما ينفع الناس”، وأنّ الطقوس التي يمارسها المؤمنون ليست سوى تعبيرات شكلية وعلاقات خاصة مع مَن يعبدون. وعلى الرغم مما تبدو عليه دعوة الطالب هذه من براءة، فقد يُشتقُّ منها طيفٌ من الممارسات التي تصل إلى حدّ التكفير في أوضاع تستيقظ فيها الفتن والصراعات المذهبية والدينية، كما يحدث في بلدنا منذ عدة سنوات؛ بغية تأجيل تحرُّر السوريين وانعتاقهم.

ثمة كثير من الشعوب التي عرفت قيمًا اجتماعية مهمة، من دون أن ترتبط بدين سماوي (الشعب الياباني على سبيل المثال لا الحصر)، وإن منبع القيم ليس محصورًا بعقيدة محددة، سماوية أم أرضية، إنما يتعلق بتراكم التجارب الإنسانية وتطور النظم الأخلاقية والسياسية، لا بل أنّ تمثُّل هذه القيم بذاتها؛ أي من دون ربطها بالمقدّس، قد يكون ترياقًا يقي من الممارسات التي تحدث باسم الدين، وتبرِّر حتى القتل براحة ضمير منقطعة النظير.

أما فيما يتعلق بحالة الاستبداد السياسي في سورية، فقد أثبتت الوقائع، سواء ما كان منها قبل اندلاع الاحتجاجات أو بعدها، استحالة حدوث التغيير بآلياتٍ من داخل السلطة ذاتها. على سبيل المثال، لم يفضِ رفع المادة الثامنة من الدستور السابق قبل عام 2012، التي تقول بأن حزب البعث هو قائد الدولة والمجتمع، إلى أي تغيير في مفاصل بنية الإدارات المتكلّسة، والأنكى من ذلك أنّ التلاميذ ما زالوا يرددون هذه الشعارات في باحات المدارس!

واتّضح -الآن أكثر من أي وقت مضى- أنه من شبه المستحيل حدوث تغيير في القوانين والأساليب التي تعمل بوساطتها أجهزة الدولة، من دون تغيير البنية السياسية ذاتها، وأن تراخي القبضة الأمنية في المناطق التي يسيطر عليها النظام، لا يعود إلى تغييرٍ في السياسات، إنما تفرضه فداحة الخسائر التي تتكبّدها المجتمعات المحلية، وخطورة العبث في واقعٍ أضحى مفرط الحساسية.

لقد عانت مجتمعاتنا الويلات من تحالف الدين والسياسة على مر التاريخ، وكان الدين عباءةً تستظلّ بها المصالح السياسية والمادية. وعلى الرغم من تضافر جهد طرفي الاستبداد للسيطرة على المجتمع، لم يخلُ الأمر من شقاق بينهما أحيانَا، ومن وقتٍ لآخر، دون أن يخلَّ ذلك بالتوازن القائم، مثلما لم تؤثر الخلافات ضمن هذا الطرف أو ذاك في ثبات التحالف المذكور أيضًا، والذي لا يلبث أن يعود إلى حالة الاستتباب، ويعيق أي محاولة إصلاحية.

في التحالف السياسي – الديني، يجري تقاسم المهمات بين طرفي المعادلة على نحوٍ غريزي، إذ يعمل الاستبداد الديني، وبالذات تبرعماته المتطرفة، على إخضاع الحريات الفردية لمنظومته شبه المغلقة؛ ما يحدّ من الإبداع في المجالات المختلفة، بخاصة في العلوم الإنسانية والاتجاهات الفنية التي تؤنسن الفرد أكثر، وتربطه بمنظومة القيم الإنسانية. في المقابل، يركز الاستبداد السياسي على إخضاع الفرد لمنظومة الرأي الواحد، عبر أيديولوجية ما، أو شخصية “القائد الرمز”، تاركَا له ممارسة غرائزه بحريةٍ نسبية؛ ما يفضي، في نهاية المطاف، إلى مسخ شخصيته، فضلَا عن التعامل معه بوصفه خصمًا سياسيًا عليه أن يثبت موالاته وخضوعه على الدوام.

استمر هذا “الأنموذج” في الحكم؛ حتى ارتجّ الواقع السوري عام 2011، ومن ثم دخوله في متاهاتٍ غيّبت البديل الديمقراطي المُنتظر، بوصفه إطارًا للحلّ، والذي كان من المرجّح أن يقطع -تدرّجًا- مع طريقة الحكم السابقة، ويضع أسس دولة دستورية تُخضع الفرد لحاجات المجتمع بوساطة سلطة الدستور والقانون.

مع ذلك، تشير معطيات اللحظة الراهنة، ومن خلال الحوارات الحيّة التي تحدث في الداخل على الأقل، إلى حدوث تحوُّلات في وعي كثير من السوريين، تبعًا للأوضاع السائدة في كل منطقة، وتتلخّص برفض استمرار الحرب، وضرورة وجود الرأي الآخر، بوصفها حالة طبيعية؛ للبحث عن الحل الوطني المنشود بمشاركة الجميع؛ ما يساعد في تقبُّل فكرة التغيير باتجاه دولة القانون والمواطنة، بما في ذلك استبعاد هيمنة الفاعليات الدينية و”الأمنية” عن منظومة الدولة الإدارية.

ومع أن العامل الدولي كان، وما يزال، أحد العوامل الرئيسة في تفاقم الوضع، فقد يفضي اتفاق الدول المؤثرة على وقف الحرب واعتماد السياسة إطارًا للحل إلى تجلّي ملامح الوعي المذكورة آنفًا في حراكٍ اجتماعي متزايد، تلتقي روافده وتتبلور في مشتركات وطنية، وعبر مرحلة وسيطة تشكل العدالة الانتقالية ركنًا أساسيَا منها، ما يمهد لنشر أفكار التسامح وتركيز الجهد باتجاه البناء والتنمية.

مهما بدا الوضع قاتمًا، فثمة ضوء في آخر النفق إنْ تمكَّنا من إدارة مواردنا المتعدّدة، والقطع مع تاريخنا الاستبدادي، واعتماد اللامركزية في إدارة معظم شؤوننا. إنّها مهمة هائلة تتطلّب تشكيل وعي وطني سوري جديد، ولنا في تجارب البلدان الأخرى، التي تجاوزت حالات الدمار المادي والبشري، خير مثال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق