أدب وفنون

آرام الافتراضي الثاني عشر

قال آرام لصديقة مصطفى:
– تعرف يا اسطيف؛ أشعر بأنّي كائنٌ افتراضي؛ قدمايَ فقط، على أرض تغريبتي؛ قلبي في بلدي؛ وما تبقّى منّي، على شبكة الإنترنت.
– كلّنا في تغريبتنا، كائناتٌ افتراضيّة.
– وكُنَّا في بلدنا مُواطنين افتراضيين كذلك؛ كنّا مُجرّد بطاقة هُويّة؛ ومِلَفًّا برقمٍ في إدارة المخابرات؛ ومُجرّد رقمٍ على جواز السفر.
– لكنّك صرتَ يا آرام، أكثرَ حريّةً في قول ما تريد.
– بلى، ولكن بلا وطنٍ أقولُ وأكتبُ فيهِ ما أُريد.
تنهَّد مصطفى:
– منحوني البارحة رقمًا؛ وابتسمَ لي الموظف قائلًا: أنتم المهاجرون ونحنُ الأنصار.
– مبروك. صِرتَ تحت الحماية الموقتة!
– خرجتُ إلى الشارع؛ فرأيتُ فِرقَةً من الهنودِ الحُمرِ تعزِفُ؛ وَقَفتُ ساعةً أسمعُ حَنِينَهُم يخرج من حَناجِرِهِم؛ حتى أدركتُ بأنّهم أولادُ عمومتنا؛ وبأنّنا الهنودُ الحُمرُ السوريّون.
فأردفَ آرامُ:
– هجَّرَهُم من أرضهم المستوطنون البيض؛ أما نحنُ فقتلنا من كُنّا نظنّ بأنّهم إخوتُنَا؛ فإذا هُمُ كإخوةِ يُوسُفَ حين رموهُ في الجُبّ.
تنهَّد مصطفى:
– حين لا أراكَ على شبكة الإنترنت؛ أقلقُ عليك؛ حتى تظهرَ على صفحتِكَ؛ فأُعَزِّي نفسي بأنك لم تُهاجِر ثانيةً من طروادة إلى إسبارطة؛ ومنها إلى حٌضن الحاجَّة ميركل؛ وتتركني هنا وحيدَ وَحدَتِي؛ كالذئبِ على أسوار بيزنطة.
– وأنا حين لا أراكَ كائنًا افتراضيًا مثلي؛ أحسبُ بأنكَ قد خُنتَ صداقتنا؛ فَمُتَّ قبلي؛ وأنتَ الوَصِيُّ على وصيّتي.
قال اصطيف:
– سنعود يا آرامُ إلى بلدنا، ولو حَشوَ الكفَن.
فابتسمَ آرامُ من غُصَّتِه:
– وستموتُ معنا صفحاتُنا على تويتر والفيسبوك؛ لن يزورَهَا أحدٌ؛ يتشاغلونَ عَنَّا باللايكات والتعليقات والأخبار العاجلة.
– لا تنسى الشتائمَ، حتى صِرنَا أولَ شعبٍ في الشتيمة؛ نَشتِمُ الطاغية؛ ونَسُبُّ بعضنا بعضًا؛ نَشتمُ الجميعَ؛ ونسُبُّ أنفسنا.
– وأولَ شعبٍ في الابتهال إلى الله، ليُخلِّصَنَا ممَّا نحنُ فيه؛ بينما لا نعملُ لأجلِ خلاصنا.
– ثمّ لا نتفقُ على شعارٍ واحدٍ يُوحِّدُنَا
قال آرام: – بينما يُلاحِقُنا شبّيحةُ النظام؛ يندسُّونَ بيننا في تغريبتنا؛ وفي خيامنا؛ وفي الجيش الحرّ؛ وفي قوارب تغريبتنا.
– هَكَّرُوا صفحتي ثلاثَ مرّاتٍ حتى الآن.
– أما أنا، فصنعوا لي بديلًا افتراضيًا؛ وتلكَ آخرُ تقليعاتهم الالكترونية!
ضحك مصطفى:
– صِرتَ كالزعماء، يجلبون لهم بديلًا يظهرُ كلّما أتتهم التقارير عن محاولة اغتيال.
– بل صاروا يستنسخوننا؛ البارحة فقط، اكتشفتُ صفحةً أخرى باسمي؛ نسخوا فيها كلَّ شيء من صفحتي الشخصية؛ صوري؛ مكانَ ميلادي؛ نوعَ دراستي؛ ومهنتي التي لم أعد أعتاشُ منها.
– كالنعجة دُولِّلي، رحمها الله؟!.
أردَفَ آرام:
– بالضبط؛ أكتبُ على صفحتي الأساسية: الثورات فكرةٌ تتوارثها الأجيال؛ وحلمُ لا يموتُ حتى لو انهزمت؛ فيجعلونها على صفحتي المنسوخة: الثورات كالأحلام، تموتُ إذا انهزمت؛ بل تصيرُ كوابيسًا تقضُّ مَضَاجِعَ الحالمين بها.
علَّقَ مصطفى:
– يَدسُّون السُمَّ في الدسم.
– والمُفارقةُ؛ أنّ بعضَ أصدقائي الافتراضيين؛ أبدى إعجابَهُ بالجُملتين معًا!!.
– هؤلاءِ أولادُ النَعجَةِ دُولِّلي على التويتر والفيسبوك.
– فكتبتُ إلى المستر مارك الرسالة التالية:
” من المواطن الافتراضي بهويةٍ لا مُوَاطَنَةَ فيها، رقم كذا؛ وجواز سفرٍ، رقم كذا؛ وصار مُهاجرًا افتراضيًا ببطاقة حِمَايةٍ دوليةٍ، رقم كذا؛ وبصفحةٍ افتراضيةٍ على موقعكَ، رقم كذا؛ ثم اكتشفتُ بأنّ جيشَ الطاغية الالكتروني يتلاعب بجِينَاتِي الافتراضية على موقعكم الشهير؛ وحتى لا يتكرَّرَ الأمرُ مع غيري من كَارِهِي الطُغاةِ والفاسدينَ والقتلة؛ أرجو تعديل صيغةِ الدخول إلى موقعكم “الباسوورد” من صيغةٍ رقميةٍ؛ إلى بَصمَةٍ وراثية؛ ولا أظنُّهُم من الذكاء بحيث يخترقونها؛ فذكاؤهم تحت سقفِ تشبيحهم بكثير؛ وستكتشف أنهم بأسمائهم الوهمية سيخترقون صفحتك ذاتها يا مارك؛ ليكتبوا عليها: الأسد أو نحرق مارك.
عَلّقَ اصطيف:
– وبماذا رَدَّ عليك؟.
قال آرام:
– لم يردّ حتى الآن؛ لكني قرأتُ هذا الصباح تصريحًا منسوبًا له؛ أو منقولًا عنه؛ باعتزامِهِ إغلاقَ موقعِ الفيسبوك نهائيًا.
فضحكَ اصطيف:
– ومن يهتمُّ؛ ما نحنُ إلا مُهاجرونَ افتراضيّون في فضاء الإنترنت؛ حقائبنا الافتراضية جاهزةٌ؛ سنُهاجِرُ إلى تويتر؛ أو انستغرام؛ لا فرق.
قال آرام:
– ما أظنُّ الذينَ هَجَّرَهُم طُغاتُهم؛ يستبدلونَ أوطانَهُم بخيمةٍ الكترونية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق