كلمة جيرون

الباحثات عن حريتنا

“إلى كل من ودّعت ابنها الراحل بالزغاريد”

هناك نحو خمسين ألف سيدة سورية -فقط- مررن بتجربة الاعتقال في سجون النظام السوري إبان الثورة السورية، أي ما يقرب من عشرة آلاف سيدة كل عام، وطوال خمسة أعوام، الغالبية العظمى منهن تعرّضن للتعذيب والاعتداء والإهانة.
وهناك -فقط- سيدة أرملة واحدة؛ نتيجة الحرب، بين كل ست نساء سوريات متزوجات، وبعدد إجمالي لا يعلمه إلا الله، كما أن نحو 11 بالمئة، من عدد القتلى الإجمالي في سورية، هن من السيدات.
كذلك، هناك -فقط- مليون وربع المليون من اللاجئات خارج سورية، وضعف هذا الرقم من النازحات داخلها، وما يُقدّر بنحو خمسين ألف سيدة هي المعيلة الوحيدة لأسرتها وأبنائها، بعد أن فقدت شريكها.
هذه بعضٌ من إنجازات النظام السوري تجاه المرأة إبان الثورة، وبعضٌ من مكافآته لها وتقديره لمكانتها وأهميتها، طفلة وشابة وأمًا وجدّة.
خلال ما ينوف على خمس سنوات، استخدم النظام السوري أسلوب العنف المُمنهج ضد النساء، سياسةً عقابية عامة، سواءً بهدف الحصول على المعلومات ونزع الاعترافات، أم بغرض التلذذ بالإذلال والتشفّي بالترهيب، بدافع ثأري انتقامي من أحد أفراد العائلة، أو للانتقام من الحاضنة الشعبية للمعارضة، وشكّل -أحيانًا- العنف الجسدي والجنسي “قطب الرحى” في السياسة العقابية للنظام، حيث استخدمته القوات الحكومية وشبه الحكومية، والأفرع الأمنية، والشبيحة والميليشيات الرديفة.
ليست هذه كل الحكاية، فالمرأة في التشريعات السورية مازالت لا تتجاوز التبعية النسبية أو الكاملة، وعلى الرغم من تغيّر دورها الاجتماعي في الأسرة والمجتمع والعمل، إلا أن التشريعات القانونية لا تزال متخلّفة بائسة، رفض النظام تحسينها، حين صادق الأسد الابن على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) عام 2003، وتحفّظ على مواد أساسية، حرمتها المساواة مع الرجل، ومنعت عنها منح جنسيتها لأطفالها، كما منعت عنها الحق في الزواج والطلاق والولاية والقوامة والوصاية، وحمت مرتكبي الجرائم بحق النساء.
وقبله، حلّ أباه جميع المنظمات النسائية التابعة لكل الأحزاب السياسية، وفرض على نساء سورية منصّة وحيدة (الاتحاد العام النسائي)، تابعة للسلطات، وتأتمر بأوامرها، ودكّ الناشطات السياسيات في السجون، فكانت هذه المساواة الجندرية الأهم التي قام بها.
وعلى الطرف الآخر من المشهد، داخل المجتمع وعلى هوامشه، تعرضت نصف نساء سورية للعنف المجتمعي، من أب أو زوج أو أخ، وعُنفت 70 بالمئة منهن من أزواجهن، و33 بالمئة منهن من الغير، وارتُكبت 72 بالمئة من جرائم الشرف دون دليل طبي على ارتكاب الأنثى فعلًا شائنًا، مع ملاحظة أن كل هذا -أيضًا- حدث في ظل النظام الحالي وبرضاه.
لم يكفِ المرأة السورية -المسكينة- جور العادات والتقاليد، ولا ظلم ذوي القربى وعنفهم، وعسف الفهم الخاطئ للأديان، وتمييز الدساتير الذكورية، وعنف القوانين الوضعية، ووطأة التخلف المجتمعي، وأمراض وعُقد الأحزاب السياسية، بما فيها المعارضة منها، ليأتي النظام، ليُتوّج أعتى وأعنف عنف تجاهها، عنف لم تشهده المرأة السورية في تاريخها، عنف قلب كيانها وبعثره، دمّر قلبها وأدماه، أفقدها إنسانيتها وأسباب وجودها، بلا شفقة ولا رحمة، فلم تهزه دمعة أم ثكلى بابنها، ولا زوجة مفجوعة بزوجها، كما لم تهزّه طفلة صغيرة تزور قبر أبيها، كل يوم تناجيه أن يعود، ولا صبيّة رقيقة كُسر جناحها برحيل أبٍ كان يدغدغ خصلات شعرها كل يوم، ولا أم زغردت حين رحل ابنها الشاب الوحيد، كما لم يهتم للمعتقلات اللواتي زج بهنّ في غياهب السجون؛ لأنهن حاولن أن يبحثن عن حرية يفتقدها الجميع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق