قضايا المجتمع

“الثقافة التربصية” مرة أخرى

مع استفحال الظاهرة “الفيسبوكية”، وانتشارها اجتماعيًا؛ عادت للانبعاث ثقافة سلبية، تحتل حيزًا كبيرًا من عقولنا، أطلقتُ عليها اسم “الثقافة التربصية”. هذه الثقافة تنشر حالة رهاب (فوبيوية) ضد كل رؤية تعمل على نهضة المجتمع وتطوره؛ لتخليصه من مآسيه ونكساته، واستفحلت تلك الثقافة “فيسبوكيًا” ضد دعاة التنوير الإسلامي والإصلاح السياسي! وقد كتبتُ مقالًا حول أنواع تلك الظاهرة بالعنوان ذاته منذ أشهر، لاقى قبولًا طيبًا، فوجدت من واجبي متابعة الحديث في الموضوع؛ نظرًا لأهميته.

إن استفحال الثقافة التربصية يؤسس لـسلوك “مكارثي” [نسبة إلى جوزيف مكارثي] ضد التنويرين، تساهم الفوضى “الفيسبوكية” فيه؛ للقضاء على التفكير الإبداعي؛ فما إنْ تطرح فكرة أو رؤية حداثوية نهضوية، تُخرج المجتمع من غياهب الانحطاط والتخلف؛ حتى ينبري لك أبناء الثقافة التربصية بالتكفير والرمي بالزندقة والخيانة والعمالة؛ ليشاغبوا على الفكرة دون نقدها أو الحوار فيها.

في دراستنا لتلك الثقافة يتبين لنا أن أنصارها ليسوا شكلًا واحدًا؛ إنما مستويات مختلفة؛ منهم مَنْ هو مثقف تراثيًا، دون وعي بمتغيرات الحياة ومتطلبات هذا التغير؛ ومنهم العجزة عن نقد الأفكار ودحضها؛ ليذهبوا إلى نقد أشخاصها.

والسؤال: ما طبقات دعاة الثقافة التربصية؟

هناك طبقات ومستويات عدة لدعاة هذا الوباء المتفشي “فيسبوكيًا”؛ وبمعرفة هذه الطبقات، نلاحظ أننا أمام فريق متكامل له دور إبليسي ضد التيار التنويري، بحجة طهرانية التراث وقدرته على حل مشكلاتنا.

الطبقة الأولى

يمتلك أصحابها قدرًة شعبوية تستخدم “الديماغوجيا” في مقاومة الأفكار الإصلاحية، معتمدًة على مقولات تراثية؛ لها أثرها في مسامع أنصارهم، كمقولة: “اتبعوا ولا تبتعدوا فقد كفيتم”، و”ما ترك الأولون للآخرين من شيء”؛ ليلفقوا ضد التنويريين تهمًا بأنهم معاول لهدم الدين، دون التفريق بين جوهر الدين والاجتهادات التراثية التي لم تعد صالحة لعصرنا ومتطلباته.

كما يستخدم هؤلاء نصوصًا منزوعة السياق؛ لإثبات بطلان الرؤى التنويرية، وأشهر أدلتهم في ذلك عندما يدعو التنويريون إلى الديمقراطية أو العَلمانية أو الحداثة؛ فيذهب هؤلاء -ديماغوجيًا- للاستشهاد بنص:  “إن الحكم إلا لله”؛ ليؤكدوا أن أي سلطة سوى سلطة النص الديني كفر وزندقة. علمًا أن نصَّ الحاكمية الذي يستشهدون به لا علاقة له بمشروعهم السلطوي، إلا أنّ نزع النص من سياقه يجعله كذلك، أو حين يُنقد حديث منسوب للنبي ﷺ، رائحة شرعنة الاستبداد والكذب فيه ظاهرة للعيان؛ تقوم قيامتهم؛ بحجة الدفاع عن السنة النبوية.

الطبقة الثانية

يستحضر هؤلاء أقوالًا للسابقين تخالف الرؤية الإصلاحية، مع إهمال التطور المعرفي والحضاري، وتجاهل الواقعية ومتطلباتها! ويمارسون تدليسًا شعبويًا على أنصارهم؛ فيمنحون فتاوى الأقدمين قدسية لا يجوز الخروج عليها؛ لتبدو وكأنها جهد سماوي لا بشري قابل للخطأ والصواب.

الأهم في ذلك التدليس، الترويج بأن الفتاوى التاريخية قامت على فهم لم ندركه نحن؟! وهذا تزوير وتدليس يدركه من له باع في هذا العلم؛ إذ إنّ الفتوى -عبر تاريخها- نوعان: نصيّة وعُرفية. أما العُرفية، فهي ناتجة عن الأعراف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لأهل زمان تلك الفتوى كإطلاق اللحية ونمطية الثياب وأساليب الحُكم وغيرها، وهذه متبدلة ومتغيرة بتبدل القصد الباعث على إصدارها؛ وعن هؤلاء يقول ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين): “ومَنْ أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب، على اختلاف عُرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم، فقد ضلَّ وأضلَّ”. وإلى هذا الفهم ذهب الإمام الشافعي في مذهبه المصري الجديد، منقلبًا على فتاواه العراقية نظرًا لتبدل الواقع والوقائع.

“وأما النصيّة: فهي نوعان: نوع متعلق بشرح وأداء العبادات، وهذا أشبعه الأولون بحثًا وشرحًا، والنوع الثاني يتعلق بالمعاملات وأساليب الحياة؛ وهو قابل للتبدل؛ ومحل اجتهاد المختصين”.

الطبقة الثالثة

يتكاثر فيها خصوم الفكر التنويري؛ حيث يعتمد أبناء تلك الطبقة على نقد أسلوب كاتب الرؤية الإصلاحية ومصطلحاته الحداثوية، دون التطرق للأفكار المقدمة ذاتها، ويقوم بهذا الدور فريق يمتلك القدرة التثويرية ضد المصلحين، بذريعة الخوف على الدين! وهؤلاء لهم جمهورهم المشاغب، المبارك لتثويريتهم، المطبل والمصفق لهم، دون أي وعي أو إدراك للمأساة التي نعيشها؛ نتيجة إصرارهم على أن أدوية الماضي قادرة على معالجة علل اليوم.

الطبقة الرابعة

يؤمن أصحاب هذه الطبقة بنظرية المؤامرة ذات السوق الرائجة في منطقتنا! إذ يشككون في نيات التيار التنويري، ومنهم مَنْ يذهب إلى التشكيك في أهلية المصلحين علميًا، دون معرفة بهم؛ أو لكونهم لم يجلسوا أمام شيخ من سدنة التراث ليعَمِدَهم، وكأن الدين حرفة أو وظيفة، لا يحق للآخرين إبداء الرأي فيها؛ وذريعتهم أنه كما لا يجوز لغير الطبيب العمل في الطب، أو المهندس العمل في الهندسة؛ كذلك لا يجوز لغير “رجال الدين” طرح آرائهم؛ وكأن الدين حرفة أو مهنة لا يحق لأحد طرح رؤيته فيه.

الطبقة الخامسة

هؤلاء الأكثر والأعلى شغبًا فيسبوكيًا؛ حيث يواجهون الأفكار الإصلاحية والتجديدية بالسباب والشتائم فإن لم ينصاع لهم صاحبها ويعلن توبته! سارعوا إلى تكفيره وزندقته لتصل اتهاماتهم إلى العمالة والخيانة، والتربص بسمعته الشخصية.

لقد تناسوا أن المصلحين كلهم لاقوا الأذى بدءًا من الأنبياء عليهم السلام ومعاناتهم من قبل خصومهم وكذلك المصلحون وما عانوه من قبل أصحاب الطبقات الخمسة؛ وكلنا يذكر محنة الإمام أبي حنيفة، وما جرى لابن رشد والشافعي في مصر؛ وكذلك معاناة المعاصرين، كرفاعة الطهطاوي والأفغاني والكواكبي والسنهوري ومحمد عبده ومحمد الغزالي، وغيرهم كثير.

ما نطالب هؤلاء به، ونحن نحمل رسالتنا في الإصلاح والتنوير، أن يتمتعوا بشرف الخصومة ونبل المخالفة؛ ونحتاج ونحن نسير في طريق التجديد مخالفًا عاقلًا يستطيع دحض الأفكار التي نقدمها بأسلوب علمي وعقلي؛ ويضع البدائل المساهمة في نهضة المجتمع لخلاصه من مآسيه المتراكمة المرهقة لمجتمعنا؛ فليس من المعقول أن ترفض دواء قدمه طبيٌب قبل تناوله؛ لتحكم بعدم صلاحيته دون أن تقدم لذلك المريض العلاج الشافي. كما نحتاج إلى حاذق منصف يبين أخطاء ما نقدمه ويقوم بتصويبها.

إننا أمام مفترق طرق، فاحتياجات المجتمع للنهضة والتطور والنمو تختلف عن حاجيات المجتمع الأموي والعباسي؛ وأمراضنا مختلفة عن أمراضهم؛ وعللنا ليست كعللهم؛ وأدوات المعرفة والحل لدينا أكبر وأوسع بآلاف المرات من أدوات السلف.

نحن بحاجة إلى الأفكار المنقذة لمجتمع بات الملايين منه لاجئًا ومشردًا ونازحًا في أرجاء المعمورة؛ وأن التخلف والانحطاط والاستبداد بلغ في مجتمعاتنا نسبًا قياسية؛ وعلينا أن نعترف بهزيمتنا العلمية والثقافية وحتى العسكرية؛ ونبين أسبابها وطرق علاجها؛ لنبدأ مشروع نهضٍة يستحقه هذا المجتمع المطحون بين رحى الاستبداد والتشدد؛ فلا يكفي أن نقول بأننا خير أمة أُخرجت للناس؛ ونحن في ذيل الأمم بكل الميادين.

إن نهضة أي مجتمع تحتاج إلى أفكار جديدة تأخذ بأبنائه نحو الوعي والإبداع والتقدم؛ أما أن نبقى نلعن الآخرين، ونتشبث بأقوال ورؤى مضى عليها ألف سنة؛ جربناها مرات ومرات ولم نحصد إلا الفشل والتقهقر؛ فالعيب ليس بتلك الأفكار، إنما بغباء من يكرر التجارب الفاشلة. إن الإصلاح مقبل، والتنوير سيحدث، وسيعلم الذين تربصوا أنهم زبد، وما ينفع المجتمعات سيحرك عقولها؛ لتبدأ نهضة وتقدمًا وتنمية، هي من قانون حركة الحياة، وسُنة من سُنن الله في خلقه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق