مقالات الرأي

المعابر والهويّات في الاجتماع السوري

 إن النظر إلى هيكليّة “الاجتماع” السوري، التي تحكمها سمات شديدة الفرادة والتعقيد والاختلاف، لا تستقيم دون رؤية المعابر في السوسيولوجيا السورية، التي تضم سوريين مركّبي الهويّة، يتصفون بطابع العمومية، وتتحكم هويتهم الوطنية السورية بانتماءاتهم الأخرى، وتُخضّعها لمنطق العمومية، ولا تستقيم كذلك دون رؤية كثافة الهويّات التي تٌخضع السوريين، الذين اُستنفذوا في انتماءاتهم المذهبية والطائفية والإثنية، لمنطق الواحدية والجزئية.

وبمقدار ما كانت ثورة السوريين السلمية ثورة معابر، بمقدار ما كانت استراتيجية السلطة، ومن خلفها السياسات الإيرانية، تنبني على تدمير المعابر واستدعاء الهويّات المتصادمة مع الفكرة الوطنية بمضمونها العمومي السلمي الديمقراطي، وبمقدار ما كانت الحرب السورية الحالية، أيضًا، وليدة تدمير المعابر، وتفلّت الهويّات من شروط التساكن الهش، الذي كان متشابكًا مع الاستبداد، و بمقدار ما ازدادت صعوبة شروط الحل السياسي في سورية، التي لا تتأتى من انعدام وجود إرادة ورغبة دوليتين للحل فحسب، ولا تتأتى تلك الصعوبة -أيضًا- من أوضاع تراكب الهويّات المتفلتة وتعبيراتها الميليشياوية، مع تعقيدات الصراعات الإقليمية وتناقضاتها، بل تتأتى -أساسًا- من تراجع العوامل التاريخية المساعدة لإعادة بناء المعابر، بوصفها الرافعة المجتمعية للمسألة الوطنية.

إن نهوض المعابر يعني تقدم فكرة العمومية والفضاء الوطني والمصلحة العامة وشروط الاجتماع التعاقدي ونمو الروح الكوزموبوليتية عند السوريين، في حين، يشير انكسارها إلى غرقهم في خصوصياتهم الطاردة لفكرة الاجتماع الوطني، والجاذبة لمختلف أنواع التدخلات الخارجية، ويشير، أيضًا، إلى ارتفاع منسوب عناصر التوترات والحروب الداخلية.

وغني عن القول: أن رجالات سورية الذين أسهموا بفعالية في الحياة السياسية وبناء الكيان الوطني السوري، في المرحلتين الكولونيالية والاستقلالية، ينتمون سياسيًا إلى تلك المعابر، فليس إبراهيم هنانو وسعد الله الجابري وشكري القوتلي وهاشم الأتاسي وخالد العظم وسلطان الأطرش وفارس الخوري سوى وطنيين سوريين عابرين لطوائفهم ومذاهبهم. كما لم يكن النكوص البعثي عن الحالة الوطنية السورية سوى إضعاف هذه المعابر لمصلحة تضخم أوهام “القائد التاريخي” و”المجتمع الجماهيري”، اللذين شكّلا وجهين متكاملين لحالة رعوية، غمرت مبادئ المرحلة الوطنية، وأعادت تنضيد العصبيات المذهبية والإثنية في مناخ من الاختلاط والسديمية المنتج للتوتاليتارية.

كما هو غني عن القول كذلك: أن شعار “الأسد أو نحرق البلد” في أكثر معانيه ومضامينه التي حققت فعلها التدميري، كانت إحراق تلك المعابر التي شرع سوريون بتشكليها في بداية ثورتهم بهدف الانتقال إلى وضع ديمقراطي، لكن السلطة عاجلت الناشطين والسياسيين السلميين بالاعتقال والتهجير والقتل، في الوقت ذاته، أطلقت عنان العصبيات؛ لتنفلت وتخرب إمكانات قيام أي شكل من أشكال التوافقات الوطنية.

وصار واضحًا عجز الوطنيين السوريين في التأثير المباشر والفاعل في شكل وماهية التسوية المقبلة في المستقبل القريب أو المتوسط، بسبب ثقل السياسات الدولية والإقليمية الداعمة للوجود الفصائلي، ولقوى الأمر الواقع الهوويّة، التي أمعنت سياساتها في تفتيت المجال الوطني، وتحويل سورية إلى وضعية “الوطن – الساحة”، لكن بوسع الوطنيين السوريين الشروع بوضع استراتيجيات البدء بإعادة بناء المعابر مجتمعيًا، بالتوازي مع النهوض بالفكرة الوطنية فكريًا وسياسيًا. مع التأكيد على أن الوطنية ليست جمعًا حسابيًا وديموغرافيًا ماكرًا وكاذبًا لهويات ما قبل وطنية، بل هي سيرورة تشكّل تاريخية معقّدة لهوية عمومية مركّبة، تتعارض تعارضًا مطلقًا مع “مخلوطة الطوائف والإثنيات”، وهي -قبل ذلك- سيرورة نقض تاريخي لاندراج الجيوبوليتيك السوري المتشظي في سياسات القوى الإقليمية والدولية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق