ترجمات

أبطال سورية صعود أصحاب الخوذ البيضاء في سورية

5

ما بين الفوضى و الدمار لأكثر الحروب الأهليّة دمويّة، يذهب المنقذون المتطوّعون إلى الأماكن التي لا يجرؤ إلّا القليل على دوسها.

 

لم يعد عمار السلمو، ينزعج من التعرّف إلى الجثث التي يسحبها من تحت أنقاض مدينة حلب، فهنالك ببساطة كثير منها. يُعطى الموتى أرقامًا عوضًا عن الأسماء، ويُدفنون في خنادق في حدائق المدينة، غالبًا بمعدّل عشر جثث في القبر الواحد.

في بعض الأحيان، وبينما يقوم بالبحث عن ناجين وسط صفائح الحديد الملتوية، وألواح إسمنت الأبنية المدمّرة بسبب الضربات الجويّة، يعثر السيّد سلمو على يد طفل مقطوعة، وثمّ يتساءل، في الليل، لمن تعود تلك اليد، أيّ عائلة خسرت ابنها أو ابنتها ذاك اليوم؟ يقول ذو الاثنين والثلاثين ربيعًا، عند لقائه في غازي عنتاب في تركيا: “إنّ أصعب ما في عملي هو رؤية الناس تموت في سيّارات الإسعاف، هم يتمسّكون و يتشبّثون بي، وبينما يلفظون أنفاسهم الأخيرة يقومون بشدّي من شعري أو من قميصي، كما لو كان فعلهم هذا سينقذهم من الموت.”

يعمل السيد سلمو، والذي كان مدرّسًا قبل الحرب، على رأس وحدة الدفاع المدني في النصف الدي تسيطر عليه المعارضة من مدينة حلب، ويُعدّ فريقه من المتطوّعين أوّل من يستجيب عند ما تسوّي القنابل الأبنية بالأرض، فيهرعون إلى مكان الغيمة الثخينة من الغبار الأبيض الناعم، ليحفروا عبر الأنقاض بحثًا عن الأحياء.

نتيجةً لعمله في الأجزاء التي تسيطر عليها المعارضة على امتداد البلاد، نما فريق الدفاع المدني في سورية من فريق صغيرٍ غير متجانس مشكّل من متطوّعين غير مدرّبين، إلى قوّة بحث وإنقاذ هائلة؛ حيث قامت تلك المجموعة بإنقاذ أكثر من 60.000 شخصًا منذ عام 2014، أي منذ أن بدأت تلك الجماعة بتسجيل أرقامها. تـُعرف تلك المجموعة بالخوذ البيضاء، نسبة إلى لون القبّعات الصلبة التي يرتدونها، وتمّ ترشيح عمّال الإنقاذ لجائزة نوبل للسلام هذا العام، لكنّهم لم يحظوا بها.

إنّ هذا العمل مميت؛ حيث تعرّض  متطوّع من أصل ستّة متطوّعين للقتل أو لإصابات بالغة، و حصل   كثير من تلك الحوادث بسبب عمليّات “الصنبور المزدوج”، والتي تقوم من خلالها الضربات الروسيّة والحكوميّة السوريّة بإعادة استهداف المواقع نفسها، والتي كان قد تمّ ضربها،  وذلك في أثناء بحث فرق المتطوّعين عن أحياء أو جثث. وكما هي حال معظم أفراد ذلك الفريق القوي المؤلّف من 3.000 شخصًا، كان معظم المصابين يعملون إمّا نجّارين، أو عمّال كهرباء أو تمديدات صحيّة قبل اندلاع الحرب. أناس عاديّون تمّ جرّهم إلى الخطوط الأماميّة لنزاع وحشي بهدف إنقاذ الأرواح، وفي هذا الإطار يقول عبدو الأبتر، العامل في الدفاع المدني في مدينة حلب، والذين تواصلنا معه عبر الهاتف: “تعجز الكلمات عن وصف شعور إنقاذ الناس، عندما ترى طفلًا أو رجلًا مسنّا لا يزال حيًّا تحت الأنقاض، وينظر في عينيك نظرة أمل، طالبًا مساعدتك، إنّه لشعورٌ رائع.”

أصبحت الحاجة إلى فريق بحث وإنقاذ مدينيّ واضحةً في عام 2012، عندما بدأ سلاح الطيران السوري بإلقاء القنابل على الأبنية السكنيّة في أجزاء البلاد التي تسيطر عليها المعارضة؛ حيث كان الناس من الأحياء المجاورة يحتشدون فوق الركام بحثًا عن ناجين، وغالبًا ما كانوا يحفرون بأيديهم العارية، وبعضهم الآخر يكسر صفائح الإسمنت المسلّح بمعاول وفؤوس متسبّبين، في بعض الأحيان، بقتل أولئك الأحياء.

عندما بدأت حدّة الهجمات بالتصاعد، بدأت فرق صغيرة لمتطوّعين بالظهور، بدءًا من حلب ومن ثمّ في أجزاء البلاد الأخرى، لكنّ نقطة التحوّل كانت في عام 2013، أي عندما بدأت تلك الفرق باستلام أولى دفعات الدعم من الخارج، كجزءٍ من حزم المساعدات الأميريكيّة والبريطانيّة غير القاتلة للمعارضة.

و كما تمّ إرسال مجموعات من المتطوّعين إلى تركيا، حيث قامت شركة مقاولات دوليّة “ARK”، بإنشاء مركز تدريبي على غرار أجزاء من مركز مدينة حلب، وركّزت التدريبات -التي استندت إلى كرّاسات، تمّ تأليفها في عام 1947، و تصف كيفيّة إنقاذ اللندنيّين من الغارات الجويّة- على تقنيّات البحث والإنقاذ الأساسيّة، واستلمت الفرق، في البدء، معدّات بسيطة، كأدوات يدويّة تعمل على البطارية، وصفارات إنذار لغارات جويّة تُدار عن طريق اليد، وعندما ازدادت موارد التمويل، تمّ تزويدها بأجهزة الاستماع إلى الزلازل، وسيّارات إسعاف وإطفاء، وأدوات هيدروليكيّة.

أثار نجاح أصحاب الخوذ البيضاء غضب النظام الشديد، وقامت الغارات الجوّيّة الروسيّة والسوريّة، وخلال يومٍ واحدٍ، بتدمير ثلاثة من أصل أربعة مراكز لتلك الجماعة في شرقي حلب، وذلك بعد مرور بضعة أيّام فقط على انهيار وقف إطلاق النار قصير الأمد الشهر الماضي.

يرى كثيرٌ في أصحاب الخوذ البيضاء حلًّا طويل الأمد لدمار البلاد، فهم قوّة مدنيّة عالية الحماس وجيّدة التدريب، ومن الممكن توسيعها لإعادة إعمار البلاد حالما تتنهي الحرب، قد تكون تلك الأفكار بعيدة عن أذهان عمّال الإنقاذ المنهكين من سحب الأجساد التي خلّفتها عمليّات القصف، يقول عمّار السلمو: “قبل الحرب كنت أكره الجنازات، كنت أكره منظر الدم، لكنّي الآن أشعر بالخدر، لقد أصبحتُ كالحديد، لقد أصبحت عمليّات القتل والمجازر اعتياديّة، لقد أصبحنا جميعًا مرضى. نحن في حاجة إلى ملاذ آمن لنا جميعًا، عندما ينتهي كلّ هذا سأذهب إلى البيت وسأنام إلى الأبد.”

 

 

اسم المقالة الأصلي Syria’s heroes

The rise of Syria’s White Helmets

الكاتب مجلّة الإيكونومست

The Economist

مكان وتاريخ النشر The Economist

15 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2016

رابط المقالة http://www.economist.com

/news/middle-east-and-africa/21708515-amid-chaos-and-destruction-ever-bloodier-civil-war-volunteer-rescuers

المترجم أنس عيسى

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق