أدب وفنون

الفارس الذهبي وقضاة قراقوش

قال حمارويه لِجِحَا السوريّ:

– لَشَدَّ ما تُذكّرُنِي بسانشو صديق دونكيشوت.

فسأله جحا: – وما وَجهُ الشَبَهِ بيني وبينه؟!

ردّ حمارويه: – أنتَ مثل سانشو على حمارٍ مثلي؛ بينما دونكيشوت على حصانٍ وفي يدهِ رِمحُهُ؛ ولا رمحَ لك يا جحا ولا سيف؛ آهٍ.. لو أن الله خلقني حصانًا.

فضحك جحا السوريّ: – أما سمعتَ بخبرِ بن قراقوش؟

نهق حمارويه: – لقراقوش أربعة أبناء: أولهم: قائدُ حَرَسِ أبيه وبطلُ مسلسل البواسل قبل أن يرى النور؛ وثانيهُم: طبيبُ عيونِ أُمِّهِ الطويلُ الهبيل؛ وثالِثُهُم: ماهِرٌ بِشُربِ الدمِ في كؤوس الكوكتيل؛ ورابعُهُم: ماتَ قبلَ أن يكتملَ دِمَاغُهُ؛ فلا تَثرِيبَ عليه. 

قال جحا: – أقصد من كانَ مُرشّحًا لخلافته؛ وكان كلما رأى حصانًا ثمّ أعجبه؛ تسابقَ الانتهازيّونَ لإهدائِهِ إيَّاه؛ ثمّ قرَّرَ إقامةَ سباقٍ للخيول؛ بعد أن أسَّسَ لها ناديًا ومِضمَارَ سِباقٍ؛ وجَمَعَ الفرسانَ مِن حَولِه؛ ليُطلِقوا عليه لقبَ: الفارس الذهبيّ؛ فلمَّا انطلقَ السِباقُ فازَ أحدُهُم عليه.

نهق حمارويه: – فاز أحدُهُم على بن قراقوش!!

تابع جحا: – فاختفى الفائزُ واحدًا وعشرين عامًا في سجون قراقوش.

سألَ حمارويه: – وهل سجنوا الحصان الفائز أيضًا؟

ردّ جحا: – بل تلذّذوا بإخصائِهِ؛ ثمّ بتعذيبه؛ فلما شارفت أنفاسُهُ على حَشرَجَةِ الموت؛ أخذوه إلى مصنعٍ مرتديلا الهناء؛ وهناك فَرَمُوهُ؛ ثم أكلتهُ الرَعِيَّةُ فأُصِيبَت بالخوفِ مِن كُلِّ إخصاءٍ وتعذيب.

ثمّ أردفَ جحا السوري: – أما تزالً تحلمُ أن تكونَ حصانًا؟!

نهق حمارويه: – قد نجونا من الإخصاء؛ فما أحلاها عِيشةُ الحمير!

 

*- حكاية قضاة قراقوش

 

قال جحا السوريّ لحماره:

– وما أدراكَ ما قُضَاةُ قراقوش؛ بالمالِ يفكُّون رقبتكَ من حَبلِ المشنقة؛ يُطوِّبُونَ لك البلدَ كلَّها إذا أهديتهم بردَعَتَك.

فنهق حِمَارَويه: – بَردَعَتِي أغلى من تَاجِ قراقوشهم؛ أما سَمِعتَ بفتوى أبي الحُصَين قاضي قضاةِ سيف الدولة الحمداني؟!

فسأله جحا السوري: – فبماذا أفتى أبو الحُصَين هذا؟

ردَّ حمارويه: – كلُّ مَن ماتَ في حلب؛ فلسيفِ الدولةِ ما ترَك؛ وعلى أبي الحصين الدَرَك.

قال جحا: – وهكذا يفعلُ ابنُ آلِ الوحش في دمشقَ الآن؛ يقتلُ السوريينَ ويُهجِّرُهُم لِيَرِثَهُم أحياءً أو مَوتَى أو مُعتقلِين.

فتساءَلَ حِمَارَويه: – أنتَ لا تذكرُ أحدًا؛ إلا ومِن ورائِهِ قصّةٌ؛ فما قِصَّةُ قُضاةِ قراقوش؟!

ردّ َجحا: – يُصدِرُونَ الأحكامَ بِمُصادَرة أملاكِ من ثاروا على قراقوش؛ حتى لو تندّروا عليه بِنُكتةٍ؛ أو كتبوا ضِدَّه جُملة.

فارتعد الحمار: – وأنتَ منهم يا جحا؛ هل سيصادرونَ أموالَكَ المنقولةَ وغيرِ المنقولة؟!

 ضحك جحا السوري: – أنا رَجُلٌ أندبوري يا حماري؛ لا أملك غيرَكَ في الدنيا؛ أنتَ أموالي كلِّها؛ تنقّلتُ بكَ في تغريبتي بين ثلاث عواصم؛ وبسببكِ لم يمنحني اللجوءَ بلدٌ حتى الآن.

سأل حمارويه: – وبماذا ردَدَتَ على قراقوش بِصَدَد مُمتلكاتِك؟

قال جحا السوري:

– أجبتُهُ شعرًا حَلَمنتَشيًّا بخطّ الرُقعة على كاغِذٍ صيني:

أتاني قراركُم بحجز ممتلكاتي

في غُربتي؛ وفي أضرَطِ أوقاتي

لا بيتًا لي أملكَهُ في كلِّ حياتي

ولا شبرَ أرضٍ عند الطابوياتي

فتّشُوا؛ بَحبِشُوا؛ وما بعدَ مماتي

ليسَ في الكيسِ؛ إلّا.. بيضاتي.

نهقَ حِمَارَويه ضاحكًا: – وأضِف لقراقوشَ هذه الجُملة على لساني:

” لستُ حمارًا؛ أنا مُجَسَّمٍ قَطَرِيٍّ للحمار”!

 

 

*- حكاية: الفارس الذهبي

من حكايات: جحا السوري وحماره وقراقوش

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق