سورية الآن

الغوطة الشرقية: انشقاقات فصائلية وخلافات متواصلة

أدى الاقتتال الداخلي في الغوطة الشرقية بين “جيش الإسلام”، من جهة، و”فيلق الرحمن” و”جيش الفسطاط”، من جهة ثانية، مطلع نيسان/ أبريل الماضي، إلى تداعيات كبيرة على الخارطة العسكرية في المنطقة، وكذلك على البنية الاجتماعية في مدن وبلدات الغوطة؛ إذ انحسر نفوذ الأول في مدينة دوما والمناطق القريبة منها، في حين سيطر الفيلق على مدن وبلدات القطاع الأوسط إضافة إلى جوبر وزملكا.

رافق تلك التداعيات تجييش إعلامي بين الجانبين، وتحميل كلُّ جانب الآخرَ مسؤولية ما حصل، إضافةً إلى تبادل الاتهامات بالتعنت، ورفض المطالب الشعبية بتوحيد الجهد العسكري، وطي صفحة الخلاف، دون أي تقدم في ملف المصالحة بين الجانبين، واستمرت الاعتقالات المتبادلة بينهما كل في مناطق سيطرته.

من جهته، تمترس “جيش الإسلام” خلف مطالبه المتمثلة بإعادة السلاح والمعامل والأنفاق التي سيطر عليها الفيلق إبان المعارك بين الفصيلين، وإشعال جبهات دمشق، قبل أن يذهب إلى تصفية الخلاف، وإزالة الحواجز بين مدن وبلدات الغوطة، في حين طالب الفيلق بضرورة تسليم المتهمين بقضايا الاغتيالات، وإطلاق سراح معتقليه في سجون الجيش وغيرها من المطالب لإنهاء الخلاف.

كان النظام السوري أكبر المستفيدين من حالة الخلاف والانقسام داخل الغوطة الشرقية، إذ استطاع التقدّم والسيطرة على القطاع الجنوبي في الغوطة كاملًا، ووصل إلى حدود مدينة دوما، بعد أن استطاع التقدم في بلدة الريحان، والسيطرة على كتيبة الإشارة؛ ما يهدد بحصار المقاتلين والمدنيين داخل الأحياء السكنية، وتجريدهم من المساحات الزراعية، وينذر بتكرار سيناريو داريا والمعضمية، وغيرهما من المناطق التي هُجّر سكانها باتجاه الشمال السوري.

وقد ولّد تقدم النظام، وسقوط المناطق والبلدات المترافق مع حالة الانقسام المتواصلة، حالة من الغضب الشعبي في الغوطة الشرقية بأسرها؛ حيث طالبت الجهات المدنية والأهلية مرارًا بإنهاء الخلاف وتشكيل غرفة عمليات مشتركة؛ لتوحيد الجهد العسكري، والتصدي للنظام في هجمته الشرسة على المنطقة، دون أن يستجيب الطرفان.

وتصاعدت حدة الغضب الشعبي، فأطلق ناشطو الغوطة مناشدات عديدة وحملات تُطالب بالتوحيد وإنقاذ المنطقة من السقوط بيد النظام وإيقاف مسلسل التهجير القسري، إلا أن الوضع استمر على ما هو عليه، واستمر الضغط العسكري للنظام على مناطق وجبهات جيش الإسلام، في حين بقيت جبهات دمشق الخاضعة لسيطرة الفيلق صامتة، إلى أن شن مقاتلو الفيلق -منذ نحو أسبوع- هجومًا، وُصف بالخاطف، على مواقع النظام في أطرف حي جوبر على تخوم العاصمة، تزامنًا مع إرساله بعض التعزيزات إلى الجبهات المشتعلة شمال الغوطة لمؤازرة “جيش الإسلام” هناك، إلا أن كل ذلك لم يكن كافيًا للحاضنة الشعبية، والتي بدت مصرة -أكثر من أي وقتٍ مضى- على فرض المصالحة على الجانبين، وإنهاء الخلاف جذريًا، وتواصل الحراك الشعبي المطالب بإنهاء الانقسام، وإشعال جبهات العاصمة، ودعم الجبهات المشتعلة بالسلاح النوعي.

بلغت التحركات الشعبية ذروتها يوم الجمعة الماضي، عندما خرجت مظاهرات حاشدة، انطلقت من دوما، وجابت مدن وبلدات الغوطة، وصولًا إلى مدينة زملكا الخاضعة لسيطرة الفيلق، فرد مقاتلوه بإطلاق النار في الهواء؛ لتفريق المتظاهرين، بذريعة اقترابهم من المقار العسكرية ومخازن السلاح ومقر إقامة قائد الفيلق، الملازم عبد الناصر شمير؛ الأمر الذي تسبب بحالة غليان في الشارع، وصل حد اتهام بعضهم الفيلق بالتحالف مع النظام، وهو ما كاد يعود بالملف -بأكمله- إلى نقطة الصفر.

حاولت قيادة الفيلق استيعاب الغضب الشعبي، عبر بيان أكدت فيه أنها ستحاسب مطلقي النار على المظاهرات، وأتبعته ببيان أعلن استعداد الفيلق للمصالحة مع “جيش الإسلام”، ورفع الحواجز وتسليم الحقوق، الأمر الذي رد عليه الجيش ببيان مماثل أعلن فيه استعداده لتلبية المطالب الشعبية، وإنهاء حالة الخلاف مع الفيلق، بشرط تسليمه السلاح والأنفاق، ووضع ما يتبقى من نقاط للخلاف تحت تصرف لجنة قضائية متوافق عليها من الجانبين، يرأسها قاض مستقل.

تسارعت التطورات الداراماتية في الغوطة الشرقية، حيث أعقب بيانيّ الجيش والفيلق -بساعات- بيان لـ “لواء أبي موسى الأشعري”، أحد أبرز المجموعات المُشكلة للفيلق، يعلن فيه انسحابه من القيلق؛ ليتبعه بيان رابع يُعلَن فيه تشكيل “ألوية المجد” في الغوطة الشرقية، بقيادة العقيد عبد الرزاق الصفوك، نائب قائد المجلس العسكري لدمشق وريفها، وما أن صدر الإعلان؛ حتى تواردت الأنباء عن مؤازرة مقاتلي التشكيل الجديد لجيش الإسلام على جبهتيّ الريحان وتل كردي؛ كما أعقب إعلان تشكيل “ألوية المجد” بساعات إعلان آخر جديد، يفيد  بانسحاب “لواء أم القرى” من فيلق الرحمن أيضًا.

انشقاق “لواء الأشعري”، وتشكيل “ألوية المجد”، واتخاذها من مدينة دوما مقرًا لقيادتها، ومؤازرتها لجيش الإسلام في معاركه ضد النظام، عدّه عدد من الناشطين تفوقًا تكتيكيًا لجيش الإسلام على فيلق الرحمن، الذي يبدو -وفق رأيهم- في موقف لا يُحسد عليه؛ إذ يشير التشكيل الجديد -بوضوح- إلى مدى الخلاف داخل البنية القيادية للفيلق؛ بسبب الأحداث في الغوطة، وهو ما يؤكده بيان الأشعري؛ حيث عزى أسباب الانسحاب من “فيلق الرحمن” إلى الخلافات داخل قيادة الأخير، على خلفية الاقتتال الداخلي، إلى جانب سقوط مدن وبلدات الغوطة، وتهجير مواطنيها على حد تعبير البيان.

شعبيًا، انقسمت الآراء بين من رأى أن التشكيل الجديد جاء تعبيرًا عن مدى ترهل بنية الفصائل العسكرية في الغوطة، واستجابةً لمطالب الحاضنة الشعبية، بضرورة تعزيز الجبهة الداخلية، وتركيز جهد العسكريين على الجبهات، دون التدخل في الحياة المدينة، بينما عدّها آخرون نتاجًا لحالة الخلاف بين الفصيلين الأكبر في الغوطة، وأسبابه سياسية، لها علاقة بدول إقليمية، غذت وتغذي حالة الشقاق، وبالتالي؛ فإن تشكيل فصيل جديد داخل الغوطة الشرقية، لن يساهم -بحسب رأي هذا الفريق- في حل المشكلات التي تعانيها المنطقة، بل على العكس، سيزيدها تعقيدًا، ولا سيما أن المطالب الشعبية كانت تركّز على توحيد الفصائل، وليس تفريخ تشكيلات جديدة على حد تعبيرهم، مصرّين على أن ما حدث مازال يُعبر -بوضوح- عن عدم جدية أي من الفرقاء في إيجاد حل جذري للخلاف المتواصل منذ أشهر؛ ما يشرّع الغوطة الشرقية على  كل الاحتمالات، بما فيها الاحتمال الأكثر سوءًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق