سورية الآن

الأوربيون يحاكمون روسيا

بدت جلسة مجلس الأمن، في 26 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، أشبه بمحاكمة سياسية لدور روسيا في سورية، حيث وضع ستيفن أوبراين وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، مجلس الأمن أمام مسؤولياته التاريخية، طالبًا منه وقف العنف والقتال فورًا، ودعا -في كلمة له- أعضاء المجلس إلى التحرك؛ لأجل حلب، وقال أيضًا: “أدعو كل أعضاء المجلس الذين لديهم قوات عسكرية في سورية إلى وقف القتال، وكذلك السماح بإيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين في مدينة حلب”، ومن الواضح أن أوبراين يقصد روسيا بشكل رئيس، كونها هي التي تملك قوات على الأرض، من بين أعضاء مجلس الأمن.

أشار أوبراين إلى روسيا إشارة مباشرة بقوله: “إن المدنيين الذين ينجون من قصف النظام السوري وحليفته روسيا، سيموتون جوعًا غدًا”، وأوضح أن هنالك منشورات تُلقى من الطائرات، لتهديد السكان المدنيين بالموت المحتم في حال لم يخرجوا من الأحياء المحاصرة، وتقول لهم: إن الكل خدعهم وتخلى عنهم وتركهم لمصيرهم، وهذا يدل على خطة هدفها إفراغ المدينة من السكان، فالقصف الذي تقوم به روسيا والنظام “تبعاته على السكان كانت مرعبة”، كلام أوبراين استفز السفير الروسي في الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، فعدّه تصريحًا لا يجب أن يخرج من الأمم المتحدة، فليس دورها أن تكون واعظًا “الوعظ في الكنيسة”، وانتقد أيضًا طريقة الأداء، وقال: إنه يستطيع انتقاد الأمم المتحدة، وأن هذا التصريح من أوبراين “مُعيب”، والاستعراض أو الوصف يكون على المسرح، مُضيفًا: “اكتبوا رواية”، وعاتب تشوركين المندوب الأممي عن إغفاله للأيام الثمانية التي مرت على حلب، دون غارات للطيران الروسي وطيران النظام السوري.

جلسة مجلس الأمن العاصفة، ظهرت وكأنها تجري حول روسيا، أكثر مما هي لأجل الوضع السوري، والمتابع لمجريات الكلمات سيجدها أنها جلسة لتقريع روسيا من على منصة دولية، فبغض النظر عن الكلمات البسيطة والسطحية التي قالها مندوب فينزويلا، في دفاعه عن بشار الأسد ونظامه، أو حتى كلمة سفير الصين التي كانت شبه حيادية، وطالبت بالسلم بشكل عام، كان الملاحظ ذلك الرد القوي من مندوبة الولايات المتحدة الأميركية، سامانثا باور، ودفاعها عن أوبراين وما قاله، عادّةً التوقف عن ارتكاب جرائم، ليوم أو أسبوع، “ليس لدينا الحق بأن نقدم له الشكر والإشادة”، متسائلة: إن كان الأطفال في “أحياء حلب الشرقية ينتمون إلى تنظيم القاعدة” كما تدعي روسيا، وأوضحت باور أن روسيا والنظام السوري يعملان على ترويع الأهالي، ويمنعان وصول المساعدات إلى الأحياء المحاصرة.

كان التركيز على الدور الروسي في سورية، وبالذات في حلب، هو القاسم المشترك -أيضًا- بين كلمة السفير البريطاني والسفير الفرنسي، فالمندوب البريطاني، ماثيو رايكروفت، رأى أن أوبراين “لم يصف غير الحقيقة”، وأن روسيا تسوق حججًا “سخيفة”، وطالب روسيا والنظام بوقف العمليات العسكرية، وتقديم هدنة إنسانية طويلة، عن طريق التنسيق مع الأمم المتحدة، بينما السفير الفرنسي، فرنسوا دولاتر، أكد أن “إعاقة وصول المساعدات الإنسانية يقوم بها النظام وداعموه”، وأن هنالك استهدافًا روسيًا متعمدًا للطواقم الطبية.

إن متابعة التطورات السياسية الأخيرة، تقود إلى نتيجة، مفادها أن توترًا في العلاقات يسود بين دول الاتحاد الأوروبي وروسيا، حيث صرّح -سابقًا- دونالد تاسك، رئيس المجلس الأوروبي، بأن هذا التوتر ناتج عن خلافات عميقة بشأن أوكرانيا وسورية، وهذا -أيضًا- واضح عند متابعة تصريحات أكثر من شخصية أوروبية، ويقودنا إلى عدّ أن الاتحاد الأوربي يرى أن روسيا تعمل على تحييد دوره في قضايا المنطقة، ومن المرجّح أنها قدّمت خدماتها للولايات المتحدة كحليفة مُحتملة، ولكن تلك المساعي فشلت، وخاصة بعد زيارة كيري إلى روسيا في تموز/ يوليو الماضي، ومحاولة التوصل إلى تنسيق عسكري بين أميركا وروسيا، فشلت بعد عودة كيري إلى واشنطن، حيث اتضح الخلاف بين الخارجية الأميركية ووزارة الدفاع حول ذلك، وربما اقتنعت روسيا، خلال الشهرين الأخيرين، أن أميركا لن تترك تحالفاتها مع أوروبا، ولن تقوم بتفاهمات تُضعفهم، وعلى هذا؛ قد يكون التوتر السياسي الذي انتاب الديبلوماسية الروسية، وذلك العنف غير المفهوم الذي وجّهته روسيا إلى مدينة حلب، ثم محاولة وضع السوريين أمام خيارين فقط، هما (النصرة) أو الأسد، وهي جاءت تُقاتل لتثبيت الأسد ضد (النصرة).

الدور الأوروبي الذي يحاول أن يكون أكثر فاعلية، يجد الدور الروسي مُعيقًا له إعاقة مباشرة، وهذا ما بدا في استعمال روسيا (الفيتو) ضد المشروع الفرنسي في مجلس الأمن، حيث تحولت -أيضًا- تلك الجلسة في 8 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، والتي كانت عاصفة كذلك، وحملت إدانات لروسيا ودورها، لكن الاستعراض اللفظي في مجلس الأمن، بالنسبة للسوريين، ما زال يدور في الفلك ذاته الذي لا يثمر، وما زالت تبدو تلك الكلمات على أنها محاولة تخليص ذمة، ورمي التهمة على روسيا لتحميلها المسؤولية، والأمور لا تتعدى غير تلك الزوبعة الكلامية، لكن تحرّك بعض القطع البحرية الروسية إلى المتوسط، ربما تكون رسائل روسية إلى أوروبا وأميركا عن عدم الرضا الروسي عن الدور المسموح لها التحرك به، ولكن قطعها بالمتوسط أثارت حفيظة الأوروبيين إثارة مباشرة، وعلى الرغم من التعليقات الساخرة التي تناولها الإعلام البريطاني، عن حاملة الطائرات الروسية الوحيدة وتهالكها، والدخان المتصاعد منها وعن حاجتها للصيانة، فإن اجتماع منظومة حلف الأطلسي، ثم تحركها العسكري على الحدود البولونية، وفي النرويج، وغيرها من الدول الأوروبية، والتعبير عن قلق الحلف من استعمال روسيا للقطع البحرية بالمتوسط لقصف حلب، هي في مجملها مع النشاط السياسي والإجرائي الأوروبي وغيره في الأمم المتحدة، وبالذات مجلس الأمن، يدل على استنفار أوروبي حقيقي في وجه التصرف الروسي؛ لخلط أوراق النظام الذي أُرسي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فهل سنحصد -في النهاية- ثمرًا ناضجًا في سورية نتيجة لذلك، أم ستبقى المأساة تدور على طاولات المساومات السياسية، كلعبة المراهنات التي لا تنتهي.

ربما من المفيد العودة لما قاله أوبراين في تلك الجلسة الأخيرة، موجهًا كلامه إلى أعضاء مجلس الأمن كافة: “إن المسؤولية تقع على عاتقكم، وإن لم تتخذوا أي إجراء لوقف الحرب المندلعة منذ ست سنوات، فلن يكون هناك شعب سوري، والعار سوف يلاحقنا جميعًا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق