قضايا المجتمع

غياب المرأة عن المجالات الفكرية والثقافية يُحدث شرخًا

همّش النظام السوري المرأة لسنواتٍ طوال، وسعى لإبعادها عن الحقول الأدبية والثقافية والفكرية؛ لأنه كان على دراية بأن ازدهارها يعني ازدهار المجتمع بأكمله، الأمر الذي لا يتوافق مع طموحاته الاستبدادية والاستعبادية، ويُحيده عن استراتيجياته، بتوليد جيل أبعد ما يكون عن الوعي والعلم والمعرفة؛ خوفًا من الانتفاض عليه.

إبان الثورة نشطت المرأة، وظهر إبداعها في عدد من الحقول، وأتيحت لها الفرصة لأن تخوض في غمار أحلامها، وساعدها انفصالها عن المجتمع المرعي من النظام في تحقيق جزء ليس بوفير عمّا تصبو إليه.

لكن، وعلى الرغم من هذه المشاركات، لا يزال هناك قصور في حضورها، وخصوصًا في المجالات الثقافية الأدبية والفكرية، وفي هذا السياق، قالت سماح هدايا، وزيرة الثقافة السابقة في الحكومة الموقتة لـ (جيرون): “يعاني المجتمع السوري -اليوم- من حالة ضياع، تجعله غير قادر على إيلاء مثل هذا النشاط الأهمية اللازمة، نحن نحتاج إلى أجواء آمنة ومستقرة؛ لإبراز هذا النوع، والواقع السوري يعاني من مصائب وفجائع ومآسٍ، لذلك يصبح من الصعب اكتشاف البنية الثقافية والفكرية للمجتمع، وللمرأة كانسان مُنتِج في هذا المجتمع”.

وتابعت: “الحالة السائدة في المجتمعات السورية اليوم هي حالة صراع من أجل البقاء والوجود، لذلك؛ يكون التركيز كبيرًا على الجانب الإغاثي والمعيشي، وفي هذا الوضع لا نستطيع تقييم واقع المرأة، أو إطلاق أحكام على أدائها في أي حقلٍ من الحقول، فهناك إمكانيات نسائية عالية جدًا، وهناك نساء يتمتعن بحس أدبي عال، ولكن الهمّ الاقتصادي والأمني طغى على كل شيء آخر، وفي هذه البيئة التي نرى فيها القتل والدمار يوميًا، يخبو صوت الثقافة، ويضطر الإنسان إلى إبداء تصرفات إسعافيه تتلاءم مع الواقع الذي يعيش فيه”.

يغيب الدعم والتمويل عن فاعليات كهذه؛ لتصبح بلا راع، الأمر الذي يزيد من إمكانية تضاؤلها، فالأقلام النسائية الموهوبة تحتاج لجهة تؤمن بها وتدعمها وتصقلها، وفي هذا المعنى أفادت هدايا: “نحن بحاجة لمؤسسات ترعى هذه الأنشطة وتؤمن بها، نحن بحاجة للتخفيف من القسوة والألم؛ فالإنتاج الفكري يبني ثقافة وضميرًا ووجدانًا، ولا يمكننا الاستغناء عنه والاكتفاء بالإغاثة”.

من جهة أخرى، أكدت المسؤولة السابقة في حكومة المعارضة أن المجتمع لم يتخلص من بعض رواسب اللوثة الفكرية التي اجتاحته طوال عقود، وكثر من يرون أن عمل المرأة في الكتابة أو الفنون أمرٌ يتخلّله الترف، وقالت: “هناك جمهور غير مؤمن بالثقافة، ويعدّها مقتصرة على الرقص والغناء بالمعنى الغوغائي، مع أنها ليست كذلك؛ فالثقافة هي نوع إنتاجي وإبداعي راقٍ، بإمكانه أن يوثّق المرحلة ويخفّف من سوداويتها”.

من جملة الحلول التي طرحتها هدايا؛ لتحفيز الحالة الثقافية عند المرأة، بناء الوعي الذي يقول بأهمية تعليم المرأة، وقالت: “ينبغي إعادة النظر في الخطاب الديني، فجميع الأديان تُقرّ بتعليم المرأة وتصنّفه فرضًا، وأن تكون هذه الرسائل التوعوية مُتضمّنة -أيضًا- في الخطاب الإعلامي، فلا يمكن أن نلقي باللوم على الحركة السياسية، وأصحاب الجمعيات، والفئة الشعبية رافضة لكل هذا النشاط من أصله، الأدب صاحب رسالة إنسانية وأخلاقية، وينبغي علينا أن نربطه بمشكلاتنا ووجداننا في المرحلة الحالية، وأن نبتعد عن الشكل السريالي الذي لا يمت إلى الواقع الأليم الذي نعيشه بصلة”.

جدير بالذكر أن وزارة الثقافة لم تعد موجودة ضمن التشكيلة الجديدة للحكومة السورية الموقتة، وغابت معها أي محاولة لتحفيز أو تقديم دعم سوري رسمي لأي نشاط ثقافي يتبادر إلى الأذهان.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق