أدب وفنون

الضحية والجلاد في دائرة واحدة

قراءة في كتاب “حيونة الإنسان” في طبعته الجديدة

 

“الإنسان أشكل عليه الإنسان”

أبو حيان التوحيدي

 

تبدأ المعرفة البشرية بالإدراك الحسي للأشياء المحيطة بالإنسان من الخارج، بشيئيتها المباشرة، أو ماديتها الفظة، ثم ترتقي إلى الإدراك العقلي، ثم إلى الفهم ومنه إلى العقل، بحسب هيغل. ويرى كثيرون أن الإدراك الحسي عتبة مشتركة بين الإنسان والحيوان، وأن هذا الإدراك يتطور عند بعض أنواع القردة. ولكن معرفة الحيوان تامة، لا تعدو إطار الغريزة أو الفطرة التي فُطر عليها، ومعرفة الإنسان ناقصة، كما لاحظ باسكال. فهل عنف الإنسان على الإنسان، بالتنكيل والتعذيب والقتل، والقتل الجماعي نوع من نكوص إلى الحيوانية، أي إلى مرحلة الإدراك الحسي المباشر للعام على أنه عالم أشياء وأدوات وغايات ووسائل؟

ليس بوسع إنسان أن يهين طفلًا أو امرأة أو رجلًا، وليس بوسع إنسان أن يعذب إنسانًا آخر أو يقتله، إلا بعد أن يجرده من جميع خصائصه الإنسانية، ليغدو مستحقًا للإهانة أو التعذيب أو القتل، كما لاحظ ألبير ميمي. ولكن الشخص الذي يفعل ذلك لا يدرك أنه يتجرد هو نفسه من خصائصه الإنسانية، وينتكس إلى مجرد حيوان (عاقل)، ولكنه ليس أخلاقيًا؛ لأن العقل وحده لا يتجه -بالضرورة- نحو الخير والحق والجمال، بحسب تعبير جاد الكريم الجباعي. تلكم هي جدلية الظلم والقهر التي شغلت ممدوح عدوان، كما شغلت كثيرين من أمثاله، في ظروف معينة وشروط تاريخية لا يمكن وصفها بأقل من أنها شروط حيونة الإنسان أو تحوينه، على نحو ما جرى في سوريا على مدى أكثر من نصف قرن.

لا يمكن لأحد أن يمارس عنفًا قد يبلغ درجة القتل والمجازر الجماعية، إلا إذا كان ينظر إلى الآخرين (المختلفين) على أنهم أدوات لسلطته ووسائل لتحقيق غاياته، أي أنهم حيوانات أو أقل من ذلك. هكذا ينظر القادة إلى “الجماهير” والحكام إلى الرعايا، فيتحول الحكام أنفسهم إلى حيوانات مفترسة أو آلات فتاكة، لأن تشييئ الإنسان أشد وطأة من حيونته. فالحروب التي يعلنها القادة والزعماء ويشنونها، إنما يشنونها لتحقيق أهدافهم الشخصية ومصالحهم الخاصة.

“ولكن هذه الأهداف والمصالح تصل إلى الأفراد بطريقة خاصة، تجعلهم مؤهلين للقتل من أجلها في الميدان. غير أن تأهيلهم لهذا القتل لا ينتهي عند استعدائهم على الخصم لقتله أو إيقاع الهزيمه به، بل يمتد إلى قتل الجريح والأعزل والمستسلم ثم المدني المسالم، ما يمكن تلخيصة بالرغبة في إبادة الآخر إبادة نهائية” (ص 25 بتصرف). هكذا كانت الحروب دومًا، وهذا ما نراه في سوريا اليوم أو في العراق وغيرها. فما الذي يجعل جنودًا من الروس أو الأمريكيين أو غيرهم يقتلون أناسًا لا يعرفونهم، ولا تربطهم بهم أي رابطة إيجابية أو سلبية، سوى رابطة الوجود على كوكب واحد؟

على الرغم من التقدم المدهش الذي حققته البشرية، على صعيد العلم والتقانة لا يزال الإنسان مشكلًا على الإنسان؛ بل لعل البشرية تنتكس إلى الحالة الطبيعية التي وصفها فلاسفة العقد الاجتماعي، من خلال ما صنعه العقل البشري من أسلحة للدمار والفتك بالإنسان نفسه، وتدمير بيئته، هذا ما يدلنا عليه الواقع المعيش في سوريا وفي معظم بلدان العالم ومنها البلدان المتقدمة، وهذا مما دفع الكاتب السوري ممدوح عدوان إلى تأليف كتابه وعنونته بهذا العنوان المستفز: “حيونة الإنسان”.

يعترف الكاتب في مقدمة الكتاب، بأنه ليس باحثًا ولا يقدم للقارئ بحثًا ذا صفة اختصاصية، إنما هي نظرة أدبية مخلصة لنصوص من روايات وأفلام  وكتب، حللها الكاتب بنَفَس أدبيّ خالص، وحس نقدي عميق، وعرض فيها الظواهر الواقعية كالعنف والتعذيب والحرب والموت المعلن والمجازر الجماعية، والحالات المرضية كالفصام والسادية والمازوخية، التي ترجع إلى العلاقة الجدلية بين الجلاد والضحية، وانطوائها على كثير من وجوه التشابه في المشاعر والسلوكيات بين الطرفين، وهذه من أبرز تناقضات الروح الإنسانية المعذِبة والمعذَبة، الروح المعذِّبة هنا هي الروح المعذَّبة ذاتها؛ (فمن قتل إنسانًا بغير حق كأنما قتل الناس جميعًا).

استهل ممدوح عدوان كتابه بصرخة احتجاج على ما آلت إليه البشرية من توحش، بقوله: “أرى أن عالم القمع، المنظم منه والعشوائي، الذي يعيشه إنسان هذا العصر، هو عالم لا يصلح للإنسان ولا لنمو إنسانيته، بل هو عالم يعمل على “حيونة” الإنسان، أي تحويله إلى حيوان، ومن هنا كان العنوان، ولعل الاشتقاق الأفضل ٍهو “تحوين الإنسان”.

لعلنا نتساءل ما الدافع الرئيس وراء هذا النكوص الإنساني أو الانهيار الأخلاقي، الذي دفع ممدوح عدوان، الإنسان المرهف، إلى هذه التسمية المستفزة للمشاعر الإنسانية وتشييئها إلى أقل من الحيونة؟ ومن الذي جعل من الجلاد جلادًا يقتل أو يعذب بدمٍ بارد، أو حتى يتفاخر بما فعل؟ والسؤال الأهم هو الذي طرحه الكاتب نفسه “إلى أي مدى يمكن للإنسان إيقاع الأذى بإنسان آخر، لا تربطه به أي رابطة سلبية أو إيجابية، أو حب أو حقد، أو حتى مصلحة؟” يجيب عن هذا السؤال الدكتور “ملغرام” في الفيلم الشهير (أنا المقصود بإيكاروس): “هناك أكثر من 60% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية يصلون إلى أقصى الحدود المفترضة للقتل، ما دام هناك سلطة يحترمونها أو يخافونها، وهي التي توجه إليهم الأمر”. ومن ثم، السلطة هي التي تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية (ص 20).

العامل الأول والأهم في ارتداد الإنسان إلى شكله الأول، هو السلطة التي تزدري الرغبات الإنسانية وتعمل على كبحها وكبتها، من خلال سياستها القمعية الممارسة عليه، فالإنسان المسلوب الإرادة والمجرد من حريته هو حيوان بالضرورة.

تبدأ السلطة منذ ولادة الإنسان: السلطة الأسرية، ثم السلطة التعليمية، والسلطة الوظيفية والسلطة السياسية، وقد عبّر “فرويد” عن ذلك، في التحليل النفسي بأن “الرغبة تولد مكبوتة”، فالإنسان المتلفع بعباءة السلطة تصبح السلطة عنده هي التابو الحديث الذي لا تُعصى أوامره.

الجلاد لا يولد جلادًا، فالوحش البشري قابع في أعماق كل منا، فإما أن يتغذى من عوامل خارجية محيطة به، أو تعمل العوامل المناقضة لإنمائه على موته تمامًا. يقول الكاتب في (ص 27) “إن منفّذ التعذيب، بعد شحنه بفكر معين وعواطف وأحقاد خاصة، يشعر بأنه يؤدي خدمة للسلطة الذي يحترمها أو يخافها أو يهابها، أو الأيديولوجيا التي يؤمن بها، وهذه السلطة هنا، هي الحكومة أو الشعب أو الحزب أو الطائفة أو الجماعة الإثنية”، إذ السلطة أو القادة هم المسوغ الأساسي لارتكاب الجرائم أو إيقاظ الوحش البشري النائم في أعماق الجلاد، بهدف الدفاع عن  هيبتها، إضافة إلى مسوغ التربية الاجتماعية، فمن ينشأ على العنف لا يتولد منه إلاّ العنف. يحضرني هنا قول “طاغور” وهو في الخامسة والسبعين من عمره: “وأنا في هذا العمر أفتح نوافذي على رياح التغيير، لكنني مازلت أعاني من أمراض التنشئة”.

ومن اللافت للنظر أن الكاتب قد تناول في كتابه العديد من الروايات والقصص والمسرحيات والأفلام والمذكرات “للمعذبين” في السجون أو المعتقلات أو في الحياة العامة، والتي يبدو فيها الموضوع على درجة كبيرة من التشابك والالتباس؛ حتى ليكاد يصعب على القارئ التمييز بين “الجلاد والضحية”، من خلال تحليل تشابكاتها في التماثل والتناقض معًا، وذلك لدراسة فعل الصراع الدائر بينهما، كما في مسرحية “الشلال” لطاغور، التي يبدو فيها الضحايا هم الجلادين أنفسهم، في طرفي النزاع؛ فهم ضحايا تربية ومفاهيم اجتماعية وسلطوية أدت بهم إلى أن يكونوا ضحايا وجلادين، في دائرة واحدة، وفي وقت واحد (النزاع في المسرحية بين أهالي قريتين متجاورتين) ص 33 و34 ، وهذا هو شأن الحروب والنزاعات.

الجلاد، وهو أداة الحاكم أو ذراعه، بل صورته الواقعية بلا قناع، لا يرى في الضحية/ الخصم سوى أذى للبشر وعدو للبشرية، والخصم هنا ليس فردًا، بل عرق أو عشيرة أو طائفة أو حزب… هكذا النزعة العرقية التي قامت على عقيدة الامتياز والتفوق، وجعلت رسالتها تخليص البشرية من أنصاف البشر الضارين. ويجب أن نلاحظ أن الضحايا يتحولون إلى جلادين، كالأقليات التي عانت من الاضطهاد في الماضي، وانكفأت على نفسها وطورت شعورًا بالتفوق والامتياز، لأنها استطاعت الحفاظ على بقائها، “حين تتاح الفرصة لأي منها وتخرج إلى النور يمكن أن تسود وتتسلط، وتؤكد امتيازها وتفوقها بحس انتقامي من الآخرين هو نوع من الانتقام من الماضي” (ص 28 – 29)

السؤال الأكثر أيلامًا، الذي طرحه ممدوح عدوان، وهو سؤال موجه إلينا جميعًا: هل نحن جلادون؟ ولا يختلف الأمر كثيرًا لو كان السؤال: هل نحن ضحايا؟ الإنسان أشكل عليه الإنسان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق