مقالات الرأي

الثورة السورية وقضية فلسطين

منذ اندلاعها كشفت الثورة السورية نظام الأسد على حقيقته إزاء قضية فلسطين؛ بحيث بدا أن هذه ليست القضية المركزية، كما روّج طوال ما يقرب من عقود خمس؛ إذ تبين أن إشهارها على هذا النحو إنما يستهدف التورية والتلاعب والتوظيف، في تبرير شرعيته، وتسلطه، وسيطرته على الموارد، ومصادرته الحريات.

طبعًا هذا حدث، أيضًا، مع الشعارات الأثيرة الأخرى: الوحدة والحرية والاشتراكية، التي ظلّ يحرص على أن يردّدها طلاب المدارس في صباح كل يوم من مدرسي، وأن تكون لازمة فضاءاته الإعلامية في الإذاعة والتلفزة والصحف، من دون أن تعني شيئًا ملموسًا.

معلوم أن هذا النظام الذي رفع شعار “الوحدة” انتهج سياسة المحاور، وإثارة الشقاق في النظام العربي بادعاءاته الفارغة، والديماغوجية، لذا؛ لم يكن مصادفة أن أكثر بلدين عربيين تنازعا وتصارعا هما سورية الأسد وعراق صدام، وأن هذين البلدين كان يحكمهما “البعث” ذاته. أما “الحرية” فغدت مجرد كلمة للتورية مع نظام شمولي وتسلطي يحتل الفضاء العام، في بلد تمت فيه مصادرة الدولة وتهميش المجتمع ومحو مكانة المواطنة، وتتحكم به أجهزة الأمن، ووسائل السيطرة الخشنة والناعمة. وبخصوص “الاشتراكية”، فهذه تمخضت عند النظام بمجرد تقويض البرجوازية الصناعية، ووضع اليد على ممتلكاتها؛ ما أضر بقطاع الصناعة الوطنية، في مقابل توسيع قطاع عام أسهم في شيوع المحسوبية والفساد، وكانت وظيفته ليس الإنتاج أو مد الدولة بالموارد، وإنما توسيع القاعدة الاجتماعية للنظام، واحتلال مزيد من فضاءات المجتمع، وإنشاء طبقة من رجال الأعمال الطفيليين.

على هذا النحو -أيضًا- استثمر النظام في القضية الفلسطينية باستخدامها مجردَ ورقة لابتزاز الأنظمة العربية الأخرى، وأخذ “إتاوة” منها، بدعوى مواجهة إسرائيل، وكورقة للاستهلاك الداخلي؛ لتعزيز شرعيته وتغطية استبداده.

هذا حصل في علاقته مع الفلسطينيين، أيضًا؛ إذ كان شغله الشاغل تقييد الحركة الوطنية الفلسطينية، والتدخل في شؤونها، والتلاعب في أوضاعها، وإضعاف الهوية الوطنية؛ حتى أن حركة “فتح”، كبرى المنظمات الفلسطينية، أشهرت شعار: “استقلالية القرار الفلسطيني”؛ للحد من تدخّلات النظام السوري، وهذا ما عُبّر عنه في العلاقة المتوترة بين هذا النظام ومنظمة التحرير، وبين حافظ الأسد والزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

في هذا الإطار يمكن -أيضًا- ملاحظة إنشاء النظام أجهزة خاصة؛ للسيطرة على الفلسطينيين مثل الضابطة الفدائية وفرع فلسطين، وإنشاء أو دعم منظمات مثل “الصاعقة” والجبهة الشعبية – القيادة العامة وغيرهما، مما بات يعرف بفصائل دمشق، التي تدور في فلك النظام السوري، وكان طبيعيًا أن النظام الذي يحد من الحريات ويمنع المشاركة السياسية عن شعبه أن يفعل ذلك مع الفلسطينيين، وإن كان اضطر للسماح لهم بهامش، بحكم طبيعة قضيتهم، وبحكم رؤيته لإمكان الاستثمار والتوظيف السياسي فيها.

هذا يشمل موقف النظام من إسرائيل، أيضًا، إذ أن حديث الأسد الأب عن “التوازن الاستراتيجي” لخوض الصراع معها تبين عن خدعة أو عن لعبة للاستهلاك الهدف منها السيطرة على موارد السوريين، وتجييرها لصالح النظام، وجلب المعونات من الدول الخليجية، والسلاح من الاتحاد السوفياتي السابق. وفي هذه الحال حُطم الجيش السوري، الذي فقد طابعه كجيش للدولة، في عقيدته وفي تركيبته وفي وظيفته، ولا سيما مع وجود فرق عسكرية خاصة خارجه، وأقوى منه، تستحوذ على أفضل التدريبات والأسلحة والامتيازات. هكذا كانت حرب تشرين أول (1973) آخر الحروب العربية، ومن يومها ولا طلقة رصاص واحدة على إسرائيل من جبهة الجولان، أي: منذ أكثر من أربعين عامًا، على الرغم من أن إسرائيل هذه قامت بعشرات الاعتداءات ضد أهداف في الأراضي السورية، حيث كان النظام يكتفي بأنه سيرد في المكان والزمان الملائمين، وهي لازمة بات يتندر بها السوريون.

والجدير ذكره أن النظام لم يتلاعب بقضية فلسطين فحسب، وإنما تلاعب بقضية الجولان أيضًا، بل أن هذه القضية التي تخصّ أرضًا سورية لم تبد أنها تهمه، أو تحتل حيّزًا في أولوياته لا العسكرية ولا السياسية أو التفاوضية، وهو ما أراح إسرائيل التي ضمّت الجولان، وتعاملت مع الهضبة كأنها باقية فيها إلى الأبد.

بالنتيجة؛ فقد تبين أن جيش النظام كان يُهيَّأ لوظيفة أخرى؛ إذ إن الكلام عن تأجيل الصراع مع إسرائيل وعدم الوقوع في استدراجاتها، حفاظًا على سلامة سورية وشعبها، تكشف بدوره عن خدعة كبرى، فمع اندلاع الثورة السورية، استخدم النظام كل ما في ترسانته العسكرية من أسلحة وذخيرة، وصبّ حممها على السوريين؛ ما نجم عنه مصرع مئات الألوف، وتشريد الملايين، ودمار أحياء كاملة في مدن سورية عريقة. ومن يتفحص ما جرى في سورية -في السنوات القليلة الماضية- يرى كأن حربًا عالمية جرت فيها، وأن عشرات الحروب الإسرائيلية ما كانت لتقتل من السوريين أو تدمر عمرانهم أو تشرد منهم، مثلما فعلت حرب النظام الوحشية بهم، هذا، على الرغم من معرفتنا بطابع إسرائيل، كدولة استعمارية وعنصرية ووحشية ومصطنعة وعدوانية.

مطلوب من الثورة السورية أن توضح نفسها إزاء قضيتي فلسطين، ووجود إسرائيل في المنطقة، وضمنه احتلالها لجزء من الأرض السورية؛ إذ إن غض النظر عن ذلك لا يفيد، ويترك هذه القضية لتوظيفات ومزايدات النظام. وغض النظر هنا ليس شطارة ولا تذاكيًا، وإنما هو لعب مجاني، ولا يفيد الثورة، بل انه يفيد النظام بإثارة الشكوك حول وطنية المعارضة وادعاء الوطنية مقابلها. والمطالبة بموقف سياسي لا تعني فتح جبهات أخرى، وإنما تعني التساوق مع الشرعية الدولية في هذا الخصوص، وهذا أقل شيء، والحديث عن استعادة الجولان، ودعم حقوق الشعب الفلسطيني، بالوسائل المشروعة، ولا سيما أن قضية الجولان وفلسطين قضايا عادلة، وقضايا الحرية والعدالة لا تتجزأ.

هذه مناسبة لتوجيه تحية تقدير إلى مركز “حرمون” على اعتزامه عقد ندوة متخصصة بإسرائيل والثورة السورية (اسطنبول مطلع الشهر المقبل)، وعلى حد علمي، فهذه أول مرة، ربما، تقوم بها جهة معارضة بالتطرق لمثل هذا الموضوع المهم، والذي لا يمكن نسيانه أو تجاوزه تحت أي حجة كانت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق