تحقيقات وتقارير سياسية

مخيم اليرموك: رمزية وقلق وهواجس غامضة

منذ أن قصف النظام مخيم اليرموك بطائراته، أواخر العام 2012، بدأ يتبدد ذلك الحلم العزيز على قلب الفلسطينيين عمومًا، والذي كان أبناء اليرموك يفاخرون به، حلم أن عودتهم إلى فلسطين هي الرحلة التي ينشدونها لمغادرة المخيم، ولا مكان آخر يستبدلونه بالمخيم. بعد ذلك اليوم الوحشي المجنون، ودون شعور منهم، ولا سابق تفكير، مضوا نحو أماكن اعتقدوا أنهم سيتابعون حياتهم فيها دون أخطار، واستبدلوا حلم العودة إلى فلسطين بأمل العودة إلى منازلهم في اليرموك.

 

لم يكن مخيم اليرموك منازل وعمارات وأسواقًا وشوارع، كان فيه أرشيف لذاكرة تاريخ فلسطين والفلسطينيين، من محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي، شهداء المقاومة ضد الاستعمار البريطاني، لقد حفظهم المخيم في ذاكرته بشاخصات على شوارعه، كما حفظ القسام وعبد القادر الحسيني في دور عبادته وأسماء مدارسه وصالات ندواته واحتفالاته.

 

ليس لأنه المخيم الأكثر في عدد سكانه فحسب، أطلق عليه: “عاصمة الشتات”، فقد كان حاضنة لكل القيم والعطاءات؛ من الخلايا الأولى للمقاومة، إلى الحشود التي تملأ الشوارع بالمظاهرات، إلى النوادي الثقافية والصالات الفنية، إلى الملاذ الآمن للثوريين العرب الفارين من القمع في بلادهم، إلى قصص الحب وفرق الغناء والموسيقى، إلى المزار الذي لابد منه لكل الصحافيين العالميين حين أرادوا معرفة الحقيقة عن قضية فلسطين واللاجئين، ولم يكن القادة الفلسطينيون الكبار يشعرون بقيمتهم إلا عند زيارته واللقاء بأبنائه، وبه كانوا يتفاخرون. كان نابضًا بكل شيء، كان القلب والروح لفلسطين. وبه ينام الشهداء مطمئنين.

 

فكان رمزًا للحياة والأمل، وفضاء يرتسم فيه الحلم ويتجدد ويكبر، “كان المخيم جسم أحمد، كانت دمشق جفون أحمد”.

لم يكن الفلسطينيون يتوقعون أن تحدث لهم كارثة، بالشكل الذي حصل على يد سلطة القمع والفاشية، ثم على يد القوى الظلامية الإرهابية، تشبثوا طويلًا بالبقاء، وبذلوا أرواحهم من أجل المحافظة على حياتهم فيه، وبدأ ذنبهم، الذي عاقبهم عليه نظام” الممانعة والمقاومة”، عندما شرعوا أبوابهم للسوريين الهاربين من جحيم القتل والدمار في بلداتهم القريبة من موقع المخيم. وعندما رفضوا إعلان ولائهم لبشار، والخروج في مسيرات التأييد؛ حتى لا يدنسوا شوارعه وهواءه، وكي لا يقلق الشهداء على وفاء شعبهم للحياة وللقضية.

قصف طائرات الميغ للمخيم، أعاد الفلسطينيين إلى شارون الذي هدد يومًا بقصف المخيم بالطائرات، ولم يفعل، وكان لابد لهم من مقارنة نكبتهم 1948، بما بدؤوا يواجهونه على يد السلطة الهمجية الدموية. فكانت نتيجة المقارنة أن ما تعرضوا له على يد دعاة القومية، يفوق عشرات، بل مئات المرات، ما أصابهم في كارثة نكبتهم على يد الغزاة الصهاينة؛ فاستنتجوا أن الطغاة أشد وحشية من الغزاة. وهو ما كان.

 

قتل وتدمير وحصار وتجويع وإذلال واعتقال واغتيال واختطاف، أهداه نظام الممانعة للشعب الفلسطيني في مخيمات سورية، فأصبحت حياتهم فيه شبه مستحيلة، فتشتتوا مرة أخرى، وتناثروا داخل سورية وخارجها، ولكنهم لم يتنازلوا عن الوفاء لشهدائهم في مقابرهم في اليرموك، وهاهو هاجسهم اليوم يقلقهم على مستقبلهم، وعلى ” منازل” القادة الشهداء.

 

دمرت طائرات النظام وصواريخه، إضافة إلى مساكن الأحياء، نصف مقبرة الشهداء” المقبرة القديمة”، ونالت من ضريح القائد خليل الوزير (أبو جهاد)، وشاع الخبر أن (داعش) ستسوِي شاهدات القبور بالأرض، وأن قبر الشهيد سعد صائل (أبو الوليد)، قد تم تدميره أيضًا، فهب عدد من الفلسطينيين ليدعوا إلى نقل الجثامين المتبقية إلى خارج المخيم، حالة كأنها هيستيرية، لكن الإنسان لا حياة له دون رموز لها معان في حياته وأحلامه، رموز تشي بتعلقه بالأمل؛ فإلى جانب الخوف على مصيرهم كأحياء، في داخل المخيم، احتدمت في نفوسهم تراجيدية الخوف على” حياة الأموات”، وكأنهم باقون بينهم.

 

و”صار الحصار هموم أحمد

والبحر طلقته الأخيرة”!

من الجوع؛ بسبب الحصار، قضى أكثر من مئتي فلسطيني، ومن القصف والاغتيال، بأدوات النظام و(داعش)، استشهد ما يقرب من ثلاثة آلاف، وهناك ألفا معتقل في سجون النظام، إضافة إلى مئات أنهى التعذيب حياتهم، والغالبية العظمى من سكان اليرموك نزحوا أو هاجروا إلى خارجه، ومثلهم سكان مخيمات أخرى في حلب ودرعا، ولمخيم خان الشيح حصة هائلة من الوحشية، يعيشها أبناؤه هذه الأيام. ولا يعرف الفلسطينيون الباقون داخل مخيماتهم مستقبلهم القريب، بعد أن قام النظام بترحيل سكان داريا والمعضمية والهامة وقدسيا وسواهم إلى إدلب؛ فهل سيصعدون الباصات الخضراء المشؤومة، سيئة الصيت، لتلقي بهم مع من رُحّلوا من محيط دمشق؟

لا يطمئن الباقون، من فلسطينيي اليرموك، إلى حالة الهدوء التي حصلت بعد اجتياح داعش للمساحة الأكبر في المخيم، فالنظام يتركهم فريسة لممارسات (داعش) الوحشية الظلامية، أما قبل انتشار (داعش) كانت حممه تتساقط عليهم باستمرار، وهم يجهلون الآتي، فكل شيء غامض، لكن السوداوية والتشاؤم هما الموقف الطاغي على العقول والنفوس.

يرى النظام بالفلسطينيين عموماً، بيئة حاضنة “للإرهاب” لأنها ليست موالية لمصالحه وخياراته، والموقع الجغرافي للمخيم على حدود جنوب العاصمة يضيف خطرًا أكيدًا على بقاء البقية الباقية منهم في بيوتهم، والفلسطيني أشبه برهينة داخل المخيم، داعش من الداخل، والنظام من المحيط الخارجي. فهل يتمنى الباقون في المخيم فتح طريق آمن للمغادرة، حتى لو بالترحيل الذي سلكه النظام في غير مكان؟ أو أنهم يتأملون بنزع مبررات ترحيلهم وتقوم داعش بمغادرة المخيم وتركهم بأمان، وهذا ليس متوقعًا فـ (داعش) ستُكمل وظيفتها قبل أن تختفي من المخيم، وإلى حينه سيبقى الفلسطينيون في اليرموك وفي سوريا، يرددون، مع درويش، مراراتهم من تراجيدية تاريخهم وحاضرهم:

“يا أيها الجسد الذي يتزوج الأمواج فوق المقصلة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق