تحقيقات وتقارير سياسية

مخيم درعا الشاهد الحي على “بطولات الممانعة”

سيبقى مخيم درعا للاجئين الفلسطينيين شاهدًا حيًا على ضراوة أسلحة (المقاومة والممانعة)، كدليلٍ ماثل على أن طريق القدس -كان ومازال- بالنسبة لدبابات “العروبة البعثية” يمر عبر جماجم اللاجئين وأشلاء أطفالهم، وتفتيت ما يحملون من ذاكرةٍ عن تاريخهم الوطني، الذي يقول في إحدى صفحاته أن مذابح الأسد ضد أبناء المخيمات، لم تبدأ مع العام 2011، بل كانت قبل نحو 35 عامًا من ذلك التاريخ في مخيمٍ شقيق اسمه تل الزعتر، لم ولن ينس الفلسطينيون ما فعله عرّاب “الصمود والتصدي”، الأسد الأب، بالآلاف التي وُجدت مذبوحة داخل أزقة وحارات المخيم.

بدوره لم يسلم المخيم الصغير على أطراف مدينة درعا، جنوبي البلاد، من بطش وغدر أسلحة الابن وقطعان شبيحته، في إعادة إنتاج مُبتكرة وأكثر إجرامًا، لاستباحة ميليشيات المستوطنين الإسرائيليين الأحياء والمناطق العربية في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلتين، ويؤكد ناشطون أن ما تبقى واقفًا على قدميه في المخيم هي مجرد صور في الذاكرة، أما الحاضر معظمه ركام، فبعد أكثر من خمس سنوات على القصف المتواصل، بأنواع شتى من الأسلحة، هُجر الآلاف من أبناء المخيم، وقُتل العشرات منهم.

في هذا السياق، قال الناشط الإعلامي أيهم السعيد لـ (جيرون): “تم تهجير معظم سكان المخيم من اللاجئين الفلسطينيين، نتيجة القصف الهمجي والمتواصل من النظام السوري على أحياء المخيم، فحتى العام 2011 كان عدد سكان المخيم يُقدر بنحو 15 ألف نسمة، أي ما يقارب 2500 عائلة، الآن كل من تبقى لا يتجاوز 250 عائلة، نسبة الدمار في المخيم تجاوزت 85 بالمئة، والقصف بالبراميل المتفجرة مازال متواصلًا حتى الآن، هذه هي بطولات المقاومة والممانعة، مسح مخيم بأكمله بمن فيه من اللاجئين الفلسطينيين والنازحين من أبناء الجولان المحتل، والحدود الإسرائيلية لا تبعد عنا سوى بضعة كيلو مترات، لكن همة طائرات الممانعة استقوت على أطفالنا ونسائنا فحسب”.

منذ بداية الثورة السورية، تعالت الأصوات المُنادية بتحييد الفلسطينيين ومخيماتهم عن الأحداث الدائرة في البلاد، تحت ذرائع ومبررات متعددة، إلا أن وضع المخيمات وتداخلها مع الأحياء المجاورة، والصلات الاجتماعية الوثيقة، جعلت من فكرة الحياد أشبه بمن يقبل بقطع أحد أعضائه، دون أن يتمكن من الصراخ للدلالة على ألمه، وهنا قال السعيد: “الحديث عن الحياد، وأن الفلسطينيين لم يشاركوا في الثورة؛ لسحب المبررات من النظام وردعه عن استهداف المخيمات، هي سياسة عقيمة؛ لأن هذا النظام كالإسرائيليين تمامًا، لا يحتاج إلى ذرائع لارتكاب المذابح، وأنا أؤكد أن للفلسطينيين من أبناء المخيم دور كبير في الثورة منذ أيامها الأولى، حيث لم يقف أبناء المخيم مكتوفي الأيدي، ونصروا إخوتهم في درعا البلد، واحتمى داخل المخيم عدد كبير من المطلوبين، أيضًا تم إنشاء أول مستشفى ميداني في مدينة درعا داخل المخيم، الذي يُعد أول منطقة محررة من عصابات الأسد، كذلك كان لأبناء المخيم دور بارز في العمل العسكري؛ نتيجة الخبرة من العمل الفدائي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فلعبوا أدوارًا مهمة في مسائل التدريب على القتال المباشر والدفاع عن الأحياء وكذلك في صناعة المتفجرات والألغام”.

أما عن أهداف النظام من هذا التدمير الممنهج للمخيم، فأكد السعيد أن ذلك يأتي في سياق السياسة العامة التي تبناها النظام وحلفاؤه ضد أبناء الشعب السوري من أقصى جنوب البلاد إلى أقصى شمالها، دون إغفال الأبعاد السياسية المتعلقة بالمخيمات ورمزيتها وعلاقتها المباشرة بأعقد ملفات الصراع مع إسرائيل، وأضاف: “أعتقد أن كل ما يقوم به النظام من إجرام ضد المخيمات الفلسطينية في سورية، يأتي في سياق أنه نظام خدمات ومستمر في لعب هذا الدور، بمعنى أن تهجير اللاجئين الفلسطينيين، وتدمير مخيماتهم، يأتي كخدمة من الأسد لإسرائيل، نحن نتحدث اليوم عن عشرات الآلاف من فلسطينيي سورية أصبحوا لاجئين في الدول الأوروبية، والعدد الأكبر من المخيمات مدمر أو شبه مُدمر، إذن؛ نحن أمام سياسة ممنهجة هدفها تفريغ الوجود الفلسطيني في سورية”.

بعيدًا عن السياسة ودهاليزها المُتشعبة، يبقى الوضع الإنساني داخل المخيم، سيئًا للغاية، حيث يعاني من تبقى من أبنائه أوضاعًا شديدة الصعوبة في ظل استمرار القصف، وهنا قال السعيد: “الوضع أكثر من سيئ، يعاني من تبقى من السكان بداخله نقصًا شديدًا في مستلزمات الحياة كافة، لا كهرباء، المياه مقطوعة منذ أكثر من عامين ونصف العام، ويضطر الأهالي للاعتماد على شراء المياه للشرب من الصهاريج، وهي غير صحية، علاوة على أسعارها المرتفعة، حتى الآن سُجل أكثر من 100 حالة تسمم؛ نتيجة تلوث المياه، ولا وجود داخل المخيم لأي مركز طبي بعد أن تخلت الأونروا عن مسؤولياتها تجاه أبناء المخيمات، لا يوجد أي مركز خدمي داخل المخيم؛ ما أدى إلى تراكم النفايات في أزقته، وهو ما يهدد بكارثة صحية حقيقية، ومع كل تلك الأوضاع المزرية، وعلى الرغم من أن المخيم قدم من أبنائه ما يقارب 550 شهيدًا، وأكثر 300 معتقل، لم يأخذ هذا المخيم حقه إعلاميًا، ولم تتداعي المؤسسات والهيئات التي تتحدث باسمه لتقديم الدعم الإنساني، على الأقل لمن تبقى في داخله”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق