تحقيقات وتقارير سياسية

هدن أم إعلان حرب من نوع جديد

أعلنت روسيا عن هدنة في حلب، جاءت بعد جدل طويل بينها وبين بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، داخل مجلس الأمن، وفي دوائر الأمم المتحدة، انتقل -لاحقًا- إلى اجتماع لوزان الذي لم تُدع إليه الدول الأوروبية، ثم إلى لقاء لندن التي لم تُدع إليه روسيا، يُشار إلى أن اتفاقًا روسيًا – أميركيًا على تثبيت هدنة، كان من المفترض أن تبدأ في 27 شباط/ فبراير من هذا العام، لكن سرعان ما تم خرقها من روسيا والنظام السوري، وأصبحت تحت اسم هدنة هشة إلى أن انهارت انهيارًا كاملًا.

ثم أُعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والأميركي جون كيري، عن هدنة جديدة، تبدأ يوم الإثنين في 12 أيلول/ سبتمبر الماضي، بالتوازي مع بداية عيد الأضحى، لكنها أظهرت أن الروس يقّدمون للأميركان الكلام بلا أفعال، بحسب التصريحات الأميركية، حيث لم يلتزموا ويُلزموا النظام بها؛ ما أدى إلى تبادل الاتهامات بين الجانبين، وغياب كامل للرأي السوري وأثره، وخاصة أن الاتفاق الذي أُبرم، كان من المفترض أن يتبعه تنسيق عسكري في سورية بينهما، وهذا الأمر أدى إلى انتقادات شديدة من وزارة الدفاع الأميركية لوزارة الخارجية، إذ عدّت أن تقديم معلومات استخباراتية لروسيا حول الوجود العسكري للفصائل السورية وتوزعها، أمر غير مقبول، وهي سابقة بين البلدين في التعاون العسكري والأمني، قد تستخدمها روسيا لأغراض أخرى، وبعد هذا الإعلان، سارت الأمور بين الجانبين إلى ما عُدّت قطيعة موقتة، انتقل خلالها ملف الهدنة إلى مجلس الأمن من خلال مشروع القرار الفرنسي، الذي استعملت روسيا ضده قرار النقض (الفيتو)، التي -بدورها- قدمت مشروع قرار آخر لم يلق تجاوبًا دوليًا.

إعلان هيئة الأركان الروسية الأخير عن الهدنة من جانب واحد، يبدأ تطبيقها صباح يوم الخميس الماضي، بعنوان “هدنة إنسانية”، تتضمن فتح معابر أمام المقاتلين والمدنيين الذين يرغبون بالخروج من أحياء حلب الشرقية المحاصرة، حيث أعطت هيئة الأركان الروسية هدنة بالساعات، وطالبت بإخراج مقاتلي (فتح الشام) من أحياء حلب، وترحيلهم نحو إدلب، بعد أن قدّم ديمستورا اقتراحًا بهذا الشأن، فتلقفه الروس، وأصبحوا يرونه بابًا للمناورة السياسية والابتزاز، هذا الإعلان ما زال يُنظر إليه بعين الريبة من السوريين، نتيجة التجارب السابقة.

والإعلان الروسي عن هدنة من جانب واحد، والذي يأتي بعد إفشالهم لقاءات متعددة عُقدت بين الوزيرين كيري ولافروف، من المرجّح أنه رسالة لا تخص السوريين، بقدر ما تخص الأميركان، على الرغم من أن الدم والوجع والخسائر كلها سورية، والجرائم الروسية تُرتكب جميعها على الأرض السورية، ولكن من الواضح أن روسيا لم تحصد شيئًا من المواقف الأميركية في أوكرانيا وغيرها، ولا مكاسب اقتصادية في أوروبا وخاصة في موضوع الغاز، وواضح أنها أيضًا قلقة من احتمالية تبدل السياسة الأميركية، بوصول رئيس جديد للبيت الأبيض، وتريد أن تُسابق الزمن بالضغط؛ للحصول على مكاسب لها، من هذه الإدارة التي أظهرت سياسة مترددة ومتردية بآن في منطقة الشرق الوسط.

استطاعت الفصائل المعارضة أن تفك الحصار في آب/ أغسطس الماضي عن الأحياء الشرقية من حلب، وذلك بعد سيطرتها على منطقة الراموسة، وكانت تلك ضربة قاسية لوزير الدفاع الروسي، سيرجي شويجو، الذي أعلن بنفسه عن الحصار بعد سيطرة النظام والميليشيات التابعة له، على طريق الكاستيلو الذي كان يربط الريف بالمدينة، ويعتمد عليه سكان الأحياء الشرقية في الحركة ونقل المواد وغيرها، فوضع الوزير الروسي شويجو شروطه آنذاك؛ لخروج المقاتلين والمدنيين حينها، فبادر الثوار بفك الحصار من مكان آخر، فبدت حينها شروط روسيا بلا قيمة، وقامت بحملة جوية انتقامية عنيفة جدًا على مناطق حلب الواقعة تحت سيطرة المعارضة، وأصبحت تلك المناطق تتعرض منذ 22 أيلول/ سبتمبر الماضي، لحرب شعواء، وبطريقة الأرض المحروقة، استعملت فيها روسيا قذائف وصواريخ جديدة، ومنها أسلحة حارقة، وترافق ذلك مع هجوم كبير، لعناصر المرتزقة العراقيين والإيرانيين واللبنانيين وغيرهم، ممن أحضرتهم إيران لدعم قوات النظام المتهالكة، وتعرّضت المنشآت الخدمية والحيوية والطواقم الطبية والمستشفيات، لغارات عنيفة ومكثفة من الطيران الروسي والسوري، أدى إلى وقوع عدد كبير من الشهداء والجرحى وإلى دمار هائل، تناقلت وكالات الأنباء المختلفة صورًا مؤلمة عنه، ما أجبر الأوروبيين على القيام بذلك الضغط الذي شاهدناه على الروس في المحافل الدولية، والذي -حتى الآن- يظهر وكأنه تبرئة ذمة فحسب.

أعلنت الفصائل المقاتلة في حلب عن رفضها العروض الروسية الأخيرة، وأكّدت أنها سوف تقاتل دفاعًا عن مدينتها، ولكن -حتى الآن- لم يُبحث موضوع خروج مقاتلي (فتح الشام) بوضوح، فيما صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الرئيس الروسي بوتين طلب منه في اتصال هاتفي، المساعدة في إخراج أولئك العناصر، وذلك؛ لتثبيت الهدنة في حلب، وقال أردوغان: إن تركيا تواصلت مع أصدقائها في سورية لأجل ذلك، بالمقابل رحبت أميركا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا بالهدنة الروسية، لكن مع حذر وتشكيك في استمرارها أو صدقيتها، وليس مستبعدًا أن إعلان روسيا عنها جاء قبل لقاء برلين الأخير بقمة رباعية حول أوكرانيا، جمعت ألمانيا وفرنسا وأوكرانيا مع روسيا، وكان الهدف منه تخفيف الضغط الفرنسي الألماني في اللقاء على روسيا؛  بسبب ما يجري بحلب، للحصول على تنازلات معينة في الملف الأوكراني، أو العقوبات الاقتصادية الغربية.

يعيش في الأحياء المحاصرة شرقي حلب أكثر من 250 ألف نسمة، وهو ما تبقى بالأصل من السكان، بعد تلك السنوات من الحرب التي يشنها النظام، ولكن بسبب عمليات التهجير القسري التي جرت تحت أبصار العالم وصمته، والتي أصبحت تُشير إلى عمليات تغيير ديموغرافي ابتدأ في مناطق حمص ثم دمشق، كما جرى بداريا والمعضمية والزبداني ومضايا وغيرها، جعلت أهالي تلك الأحياء المحاصرة في حلب، يخشون أن تصل الأمور -في النهاية- إلى تهجيرهم من مناطقهم، وعدم عودتهم إليها، وعلى هذا فإن باب الهدن الذي يتبعه ترتيب مصالحات بشروط النظام، أصبح بابًا يخفي خلفه غايات بعيدة كليًا عن أهداف ثورة، كانت هتافاتها الأولى “حرية، كرامة، والشعب السوري ما بينذل”، ولذلك؛ قد يكون الحذر من أن الهدن التي تُعلن لأجل حلب، هي حرب من نوع جديد على المجتمع السوري برمته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق