مقالات الرأي

الدبلوماسية الفرنسية وموت السوريين

في التاسع عشر من هذا الشهر، استقبل الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، مصحوبًا بوزير خارجيته، وفدًا سوريًا من مدينة حلب، ضم ممثلين عن إدارتها المحلية، غير المعينة من النظام، وآخرين عن القطاع الطبي، إلى جانب ممثلين عن رجال الدفاع المدني (القبعات البيض). ولم يكن انتقاء هذا الموعد صدفةً البتة، فهذا اليوم كان مخصصًا للقاءٍ فرنسي – روسي، احتفالًا بافتتاح كاتدرائية روسية تابعة للكرملين ورجله، البطريرك غابرييل، وسبق للرئيس الفرنسي أن رحّب بزيارة فلاديمير بوتين، مشترطًا أن تدور المباحثات أساسًا، إلى جانب الاحتفالية الوهمية، حول أوضاع الموت والدمار في حلب؛ حيث تسرح وتمرح آلة القتل الروسية منذ أسابيع، بوتيرة مرتفعة؛ فما كان من صاحب الكرملين إلا أن ألغى زيارته، موضّحًا أنه لا يزمع إضاعة الوقت في الحديث عن هذا الموضوع، وأنه كان يرغب في أن تقتصر زيارته على زيارة معالم ثقافية وافتتاح معارض فنية، وكأنما الحديث عن قتلى السوريين بأيدي وأسلحة جنوده، والحاجة إلى رفع الحصار المحكم عن المدنيين هو مضيعةٌ للوقت.

لم تتم زيارة بوتين إذن، وتعرّض الرئيس الفرنسي إلى سيلٍ من الانتقادات التي كان أبطالها “رجال” موسكو في فرنسا، بدءًا بجان لوك ميلانشون، الزعيم اليساري الشعبوي، ومرورًا بالفاشيين الجدد وزعيمتهم، مارين لوبين، وعبورًا برئيس الوزراء السابق، فرنسوا فيللون، وهو مرشح للانتخابات الأولية؛ لانتقاء مرشح اليمين إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة. جوقة الكرملين هذه، والتي لم يشفع لها ذكاء بعض أفرادها وحنكتهم السياسية، بأن تضع قليلًا من الماء في نبيذها؛ للتخفيف من الهجمات الحادة، بخصوص دبلوماسية دولتها، انفجرت مجددًا إثر استقبال هذا الوفد السوري المدني.

فقد قام بعض ممثليها، من أمثال النواب: “جاك ميار” اليمني، و”جيرار بابت”، شبه اليساري، والذي زار دمشق في مناسبات عدة؛ لإظهار دعمه للنظام في معركته ضد الشعب السوري، باستجواب أعضاء الوفد في أثناء جلسة استماع نيابية للجنة الشؤون الخارجية. ومن الأسئلة التي تنمّ عن غباء قلّ نظيره في أدبيات لجان الاستماع، استغرب “ميار” الحديث عن أكثر من 300 ألف مدني في حلب الشرقية، في حين أن معلوماته (…) تُشير إلى أنها مدينة أشباح، خاليةٌ تمامًا من السكان. كما شكّك، بأسلوب أصحاب عقلية المؤامرة المنتشرين كالجراد، في تمويل القبعات البيض، وعدّ أن وراءها أجهزة سرية أميركية، وأنها تسعى إلى تخريب العمل “الإنساني” للأمم المتحدة في مناطق وجودها. كما وأنه يجهل، وربما يجهل فعلًا، أن منظمات الأمم المتحدة لا تعمل أساسًا خارج نطاق سيطرة النظام في الأراضي السورية إلا نادرًا، وذلك عن طريق منظمات وسيطة. وأخيرًا، وليس آخرًا، تشدٌّق رجل موسكو في البرلمان الفرنسي بتبعية المجموعة المدنية السورية إلى (جبهة النصرة) أو إلى (فتح الشام)، حيث لم يعد يذكر حيثيات التغيير في التسمية. أما زميله في شراء “الأغباني” من سوق الحميدية، والطعام على موائد اللئام، النائب الاشتراكي جيرار بابت، فاستغرب -بدوره- حصول هذه الزيارة، عادّها عملية بروباغندا للمجموعات المتطرفة.

بعد جلسة الاستماع هذه، جرت جلسة عادية للبرلمان الفرنسي، وقد حضرها الوفد السوري على مقاعد العموم في الشرفات، وجرى ترتيب هذا الحضور؛ لكي يوجه رئيس المجلس كلمة تحية للوفد، أمام وسائل الإعلام، مُشيدًا بجهدهم الإنساني وتضحياتهم البشرية في إنقاذ الأرواح ومساعدة المدنيين. توقف المجلس بأعضائه جميعًا، والوزراء الحاضرين، وعلى رأسهم مانويل فالس، رئيس الحكومة؛ ليصفقوا مُرحبين لدقائق وهم يتجهون بأعينهم وأجسادهم إلى مكان جلوس الوفد السوري؛ موقفٌ مؤثّر ورمزي قلّما يتكرر في هذا الصرح التشريعي. بالطبع، غاب النواب الفرنسيون/ الروس -السابق ذكرهم- عن الجلسة؛ لكيلا يقعوا في الإحراج، ولكن آخرين، ممن يتقاربون معهم في التصورات، صفقوا مجبرين؛ ليصرحوا بعدها، كما بيير لولوش، بأن هذه الزيارة ليست محمودة، وبأن فرنسا تخطئ في اختياراتها السياسية بمعاداة الروس، والتقرّب ممن وصفهم بـ “المتطرفين” السوريين.

إذن، هناك موقف سياسي فرنسي واضح من التدخل الروسي في سورية، تُعبّر عنه هذه الحلقات المتعاقبة من التصرفات، ولا تكتفي بالمشهدي منها، كالذي حصل في البرلمان؛ ففي مؤتمره الصحفي الذي تلا اجتماعه مع الوفد السوري، أكد الرئيس هولاند، وبعبارات قاسية، بأنه سيلتقي بوتين في برلين عشية اليوم ذاته؛ للحديث بجدية وصرامة عن ضرورة وقف آلة القتل في سورية. ويتضح أن هذا الموقف نابعٌ من خيبةٍ كبيرة تلت استعمال الروس للفيتو ضد مشروع قرار متوازن، قدمته فرنسا لوقف العمليات الحربية في سورية. الخيبة لم تنجم عن سذاجة سياسية، بل عن وعود منتهكة قدمها الروس بالتصويت لصالح القرار، أو -على الأقل- الامتناع عن التصويت عليه، مقابل إجراء بعض التعديلات -التي سموها تقنية- والتي ما لبثت فرنسا أن أدخلتها على مشروعها الأصلي؛ لكسب التأييد أو الحياد الروسي.

الروس يقتلون المدنيين على الرغم من هدنهم المزعومة؛ حتى أن دبلوماسيًا سابقًا من لدنهم، وهو من نجوم العبث الإعلامي، قال بأن بلده عرضت على المدنيين الخروج من حلب الشرقية، فلم يفعلوا، أو أنهم مُنعوا من فعل ذلك، وبالتالي؛ فلا مناص، كاستنتاج، من استمرار العمليات الحربية. وقد أجبته بهدوء أُحسد عليه بأن هذا الأمر يُذكّرني بما حصل في الحرب العالمية الثانية في أثناء حصار لينينغراد، حيث عرض النازيون على مدنييها الخروج، ولم يفعلوا، وبالتالي فقد تحملوا مسؤولية رفضهم هذا؛ ليموتوا تحت الأنقاض. “نازيو” موسكو الجُدد، يكررون التاريخ البعيد الهتلري في أوروبا، والجديد البوتيني في الشيشان، ولا يأبهون للانتقاد والتنديد ما دامو قد فهموا، في إثر ذوبان خطوط أوباما الحمراء عام 2013، بأنهم أسياد الساحة السورية.

صفعة هولاند لبوتين بإحلال الوفد السوري مكانه في الإليزيه يوم زيارته المرتقب، لعبة غير “بريئة”، سجّلت -من خلالها- الدبلوماسية الفرنسية نقاطًا واضحة. وفي المقابل، الروس في “مأزق”؛ حيث أنهم يشعرون، على الرغم من صفاقتهم، بفردانيتهم على المشهد الدولي، وهم يبحثون، وبأي ثمن، عن انتصار رمزي يمكن أن تُشكّل حلب ضحيته الأساسية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق