قضايا المجتمع

العنف الثوري وخلط المصطلحات

الذي في الطابور، كان صبيًا في التاسعة من العمر، موسومًا بجروحٍ عميقة، حدثت نتيجة ربطه بسلك فولاذي، بينما كان الجنود السوريون ينزلون ويقتلون أقاربه وأخواته، في حين وقف ضابط يمسك به، جاعلًا عينيه مفتوحتين بالقوة على المشهد؛ لكي يراه ويتذكره طويلًا، هذا الطفل كان قد حمل جده، خمسة أيام وخمس ليالٍ بطولها حتى أوصله إلى بر الأمان.
ذات يوم قال الولد: إنني لا أشتهي إلا شيئًا واحدًا، وهو أن أتمكن من تقطيع جندي سوري إلى نتف صغيرة جدًا. وبقوله هذا، ألصق بنفسه تهمة “إرهابي”، فأُعدم؛ كي تبقى سورية نظيفة من كل إرهاب.

في مستهل تقديمه لكتابه “قراصنة وأباطرة”، يذكر ناعوم تشومسكي مثالًا طريفًا ومهمًا، يقارب هذا التصنيف، مفاده أن القديس أوغسطين يروي حكاية قرصان وقع بين يدي الإسكندر العظيم، وحين سأله هذا الأخير: كيف تجرؤ على ممارسة المضايقات في البحر؟ يجيب القرصان قائلًا: كيف تجرؤ على مضايقة العالم بأسره؟

أجاب: لأني أفعلها بسفينة صغيرة فحسب يقال بأنني لص، وحين تفعلها بأسطول كبير يقال بأنك إمبراطور.

كان من الأجدى، وتبعًا لمفهوم القياس، إدانة الفعل قبل إدانة رد الفعل؛ فالقاعدة العامة تقول: كل فعل له ردة فعل توازيه وتساويه قوة.

من منطلق أن كل قوة زائدة تُعدّ قوة مدمرة، فإن قارنّا الفعل المدان الذي ترتكبه قوات الأسد، عبر فيديوهات مسربة، وتقارير ومشاهدات حيّة، وهي بالمئات، نراها تفوق كل وصف؛ فهي تطال الموتى والأحياء، النساء والأطفال.

بينما رد الفعل هو فعل شاذ، والشاذ يحسب ولا يقاس عليه.

يلعب الإعلام الدور الأكبر في تسليط الضوء على البقعة السوداء في الثوب الأبيض، ويحاول إبرازها أكثر مما هي عليه بسياسة مدروسة، ولأنها شاذّة عن البيئة التي ظهرت فيها؛ فالثورة ثوب أبيض، وليس غريبًا وجود نقاط سوداء.

بالمقابل، إنّ فعل النظام ومجازره كالثوب الأسود، تبحث في ثناياه عن بقعة ضوء لتلمّع صورته، فلا تجد، فتبرز نقيضه؛ لتخفي عيوبه وإجرامه.

المثير في الواقع السياسي الدولي هو أن أصابع الاتهام والتجريم تدل دائما على إرهاب الضعفاء، أي المقهورين ومهضومي الحقوق، ولكن الإرهاب الأسدي يحتجز اليوم كرهائن جميع سكان سورية كرهائن، فهل يعني هذا أن سارق الحقل بطل، وسارق الرغيف مجرم.

إن إرهاب المقهورين يولد من إرهاب القاهرين.

صدق الشاعر السوري أديب اسحاق 1856 ـ 1885 “قتل امرئ فى غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر”.

يقول جوليان فرويند: “إن الإرهاب يقوم على استعمال العنف دون تقدير، أو تمييز بهدف تحطيم كل مقاومة، وذلك بإنزال الرعب في النفوس، ويضيف بأنه لا يرمي فحسب، وكما يفعل العنف، إلى القضاء على أجساد الكائنات وتدمير الممتلكات المادية، بل يستعمل العنف بشكل منسق؛ ليخيف النفوس ويرهبها، أي أنه يستعمل جثث العنف؛ ليزرع اليأس في قلوب الأحياء”.

لذلك؛ علينا أن نكون أكثر وضوحًا بالتفريق بين الإرهاب كعار، والإرهاب الثوري كمفخرة. إن العنف الثوري مبرر أخلاقيًا، بعكس العنف التدميري الإقصائي.

أما حالة اللعب على المصطلحات التي يحاول النظام السوري، ومن خلفه النظام الروسي، هو تطبيق واضح لسياسة الدولة الروسية وريثة الاتحاد السوفييتي. ففي حضنها وجد مصطلح العنف الثوري، والإرهاب الأبيض. ولا أشبه بشار وبوتين اليوم بستالين الأمس الذي ترك خلفه 12 مليون ضحية.

بالنتيجة لن يصبح ما نقوله الآن صحيحًا، إلا بعد سنوات من نيل الشعب السوري حريته، وقتئذ، سينبري كل من يتشدق الآن دفاعًا عن القتلة، أو مهاجمة الثورة، آنذاك وحسب، سيكتبون كثيرًا إما مدحًا للثورة، أو سيرفلون بوافر من الحرية؛ ليكتبوا وهم أحرار، دون سلطة الرقيب، وسوط الجلاد. وقتئذ لا رقيب سوى رقابة الضمير

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق