هموم ثقافية

الكتابة في زمن الحرب

تُسرق ثورة تطالب بالحرية والكرامة، وتحل -بدلًا عنها- حرب شرسة، ولكن الحرب مثلها مثل الـ “كوكا كولا” سلعة، تنتجها وتروج لها وتجني أرباحها الدول العظمى، شرط أن يكون مصدر المواد الأولية لهذه السعلة محليًا؛ كي تنخفض التكلفة وتزيد الأرباح.

الحرب هي الحرب، لو نشبت حرب في أكثر الدول تقدمًا، سنرى النتائج نفسها التي رأيناها في سورية، مع اختلاف الوسائل والحجج.

أرى الكتابة في مواجهة عنف كهذا، هو التمحيص في “المواد الأولية المحلية” التي شكلت مكونات الخلطة السحرية للحرب.

في الحرب لا أستطيع الحديث عن العنف الموجه ضد النساء، من دون الحديث عن الرجال والأطفال، وبحسب علمي، أن البرميل الغبي لم يصطفِ النساء عند سقوطه، ولا بطش داعش كان يميز بين الجنسين.

آمل من النسويين “مؤيدو الحركة النسوية” ألاّ يعزلوا المرأة كعنصر مشوّق للبحث، وهذا ما يشجع عليه، إعلام الراعي الذهبي للحرب، للّعب بذاكرتنا، والذهاب بنا إلى تأييد سياسة الدول العظمى في سورية، بشعار أن لا صوت يعلو على صوت المعركة ضد الإرهاب، المتمثلة في محاربة داعش.

في الحرب لا أستطيع الانحياز للأرقام في لعبة الأقليات والأكثرية، داعش تقتل الأقليات والنظام يقتل الأكثرية، والضحايا تُزيد من نسبة السكر في المنتج “الحرب” أو “الكوكاكولا”.

آمل من العلمانيين ومناصري حقوق الإنسان ألّا يعوّموا مخاوف الأقليات في البورصة؛ لأن المنافسة بين رعاة الحرب ستجعل من الأقليات بضاعة منتهية الصلاحية، وستباع كخردة رخيصة في نهاية المطاف.

الاستعمار الجديد، كما سلفه القديم، ينسج لنا حكاية جديدة مفادها أن الإرهاب هو حقيقتنا، وهو جزء من خصوصيتنا التاريخية.

من جهة أخرى، التمحيص في “المواد الأولية المحلية” يعني المكاشفة، والحديث عن الذهنية التي كانت تتبنى جرائم الشرف سابقًا، سواء بالفعل أم بتبريره، أم بالتزام الصمت والتقليل من أهمية الحدث.

كانت تنفذ جرائم الشرف -أحيانًا- أمام الملأ بمنتهى الوحشية، وكان جمهورها أكثر تنوعًا من جمهور داعش الحالي؛ إذ حتى الجامعيين ومن كانوا يُحسبون على اليسار تورطوا في ذلك.

التمحيص -أيضًا- في “المواد الأولية المحلية”، يظهر لنا كيف ربّى النظام بذرة الإرهاب ورعاها، كيف تفشت معاهد تحفيظ القران، وهناك بعض الجوامع في دمشق كانت بمنزلة مؤسسة دينية، تحتوي مدرسة داخلية، مستقطبة كل الجنسيات من أنحاء شتى من العالم (جامع أبو النور).

الكتابة في زمن الحرب تعني لي -في الدرجة الأولى- لَمّ شتات الذاكرة والهوية بعد أن دُمرت البنى التحتية تدميرًا كاملًا وممنهجًا، وهُجّر الملايين.

لاحقًا، ربما تقدم لنا الدول العظمى الراعية للحرب، جائزة ترضية، وهي “تصفية الديكتاتور أو تنحيه”، وسيهلل المثقفون المستقطبون من مموليهم بالانتصار.

الكتابة التي تلم شمل الذّاكرة والهويّة، هي التي تفضح سرقة جثامين الخسارات، كما فضحت سرقة النظام لجثامين السوريين.

الكتابة التي تلم شمل الذاكرة والهوية في بعديهما الإنساني، الإنساني وحسب، كما مارسها إدوارد سعيد، ومحمود درويش.

أنا لست مأخوذة بالبلاغة العاطفية، ولا أدّعي التفاؤل بمشروع كهذا، في مناخ ثقافي عربي، يندى له الجبين خجلًا، ولكن ما مصيرنا بعد أن جرّبنا ما جربناه من هويات أيديولوجية ودينية، وبعد كل هذه السقطات في تاريخنا؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق