قضايا المجتمع

الحرب والإعمار في الجزيرة السوريَّة

“أعتقد أنّ البناء في حالة جيدة، وعلى وتيرة واحدة مع الخراب الحاصل”، هكذا يقول مهندس البناء حسين، وهو منهمك في أخذ المقاسات لأحد الأبنية في مدينة القامشلي، ومن ثمّ متابعًا: “على الرغم من حركة الهجرة وكثافتها والانفجارات الأخيرة التي ضربت المدن كافة، إلّا أن العمل في البناء بدأ يزداد، ولكن مع توافر صعوبات، أهمّها الأيدي العاملة التي بدأت تهاجر؛ لأنّ نفقات العيش باهظة، إضافة إلى المصاعب التي تتوافر في البناء بالنسبة للقرارات الصادرة عن هيئات ما يسمّى بالإدارة الذاتيَّة، والعراقيل الموجودة، وفي السياق، فإنّ العملة الأجنبية التي تدخل إلى الجزيرة السورية من أصحاب الأعمال في أوروبا، من الأبناء المهاجرين يساهم في رفع نسب البناء المتمركزة في مدن عامودا والقامشلي وأريافها، الأخيرة التي تعدّ كبرى مدن الجزيرة، وواقعة تحت سيطرة الميليشيات الكردية، بالتقاسم مع قوات النظام السوري وميليشياته.

مساحات واسعة للإعمار

على الرغم من تميّز منطقة الجزيرة السورية بوفرة المساحات الواسعة المخصًّصة للزراعة، فإن نسبًا كبيرة من تلك المساحات بدأ مالكوها -في الآونة الأخيرة- ببيعها إلى تجّار العقارات؛ للبدء بعمليات البناء والإعمار، وبهذا الصدد، يقول أحد مُلّاك مساحات أرض واسعة على الطريق الواصلة بين مدينة القامشلي وعامودا: “اضطررت لبيع ما كنت أملكه من أراٍض زراعية؛ لأسباب عديدة، لعلّ أهمها فقدان القيمة الزراعية للمنطقة، والعمل الدؤوب من هيئات الإدارة الذاتية على خلق عراقيل وفجوات في مجال العمل الزراعي، فضلًا عن المواد الزراعية والمبيدات الحشرية اللازمة لإنجاح العملية الزراعية، والتي تعدّ نادرة في الوقت الرّاهن، على الرغم من توافر هيئات مختصّة بأمور كهذه!”.

وعلى الطرف الآخر، بدأت منطقة الجزيرة تلاحظ -بشكل جليّ- استخدام مساحات واسعة من الأراضي كذلك؛ للاستفادة منها كمقرّات عسكرية كرديَّة، الأمر الذي يساهم في التكوين العمراني الخاطئ للمنطقة، عوضًا عن الاستفادة منها اقتصاديًا في مجال الزراعة.

البناء في الريف

بعد اندلاع الثورة السورية، وعلى الرغم من بروز أزمات اقتصادية، بدأ هناك تكوّن لحالة من الإعمار في المناطق ذات الطبيعة الريفيَّة، باستخدام مادّة الاسمنت في البناء، عوضًا عن استخدام الطين المتعارف عليه في المناطق الريفية في الجزيرة السوريَّة، وفي السياق، قال محمّد حاروف، المهندس المعماري، لـ (جيرون): “بالنسبة لحالة الإعمار الملحوظة في المناطق الريفيَّة للجزيرة السوريَّة، فإنّ العملية تتمّ من خلال أبناء القرى الذين هاجروا منذ سنوات طويلة إلى البلاد الأوروبيَّة، واعتمادًا على مبدأ تأمين مسكن ملائم في الوطن، في حال الرغبة بالعودة، وذلك عقب بيعهم لكلّ الأملاك، في سبيل تأمين نفقات الهجرة الباهظة وقتذاك، إضافة إلى النازحين أصحاب رؤوس الأموال، والذين يؤثرون العيش في المناطق الريفية”.

وعن تأثير عملية الإعمار -هذه- تابع المهندس: “لا أعتقد أن هناك سلبيات بالنسبة لتزايد الإعمار، ولكن هناك العديد من الإيجابيات على الصعيد الاجتماعي وتأمين الخدمات بالنسبة للأرياف المهمّشة، ففي حالة الإعمار هذه، تتزايد نسبة السكّان؛ ما يدفع هؤلاء القاطنين إلى الضغط على السلطات، لتأمين مستلزمات المعيشة وتوسيع رقعة إمكانية الحياة”.

عودة

كما أنّ ظاهرة أخرى توافرت وبكثافة في مناطق الجزيرة السورية؛ لدواعي انعدام الأمن وتزايد نسبة التفجيرات وفقدان الأمان في المدن، وهي ظاهرة الإعمار في المناطق الريفية من سكّان المدن؛ ففي قرية “هنادي” التابعة لمدينة القامشلي لوحظت حالات إعمار كثيرة، وبهذا الصدد، قال أحد سكّان القرية: “قبل اندلاع الثورة كانت القرية تفتقر إلى العديد من الخدمات، وكقاطنين في القرية الصغيرة القريبة من الحدود التركيَّة، لم نكن نلاحظ أي غرباء، سوى أنّ الحرب السورية أدّت إلى ارتفاع نسبة النازحين من مختلف مناطق الداخل السوريّ، وبالتالي؛ ازدياد نسبة الإعمار والاستقرار في القرية التي بدأت مساحات السكن فيها تتّسع بكثافة ملحوظة، وقيام السكّان الجدد بتأمين أوضاع العيش الملائمة”.

وبهذا الصدد أيضًا، قال مواطن من مدينة دير الزور، والقاطن حاليًا في القرية المذكورة: “أنا أقيم في القرية منذ نحو عام، عقب نزوحي من مدينة دير الزور، قمت بشراء قطعة أرض والبدء بالإعمار، ببطء؛ بسبب قلّة المردود المادي كنوع من الاستقرار”، وعن سبب اختياره السكن في مكان ريفي، يقول: “كنت مقيمًا في مدينة القامشلي لمدة شهر، ولكن شروط الأمان المعدومة منعتني من الاستمرار، ومن ثم البحث عن مكان ريفي على مقربة من المدينة، واستقرّ بي التجوال في القرية والعمل ضمن مجال البناء”.

تبقى هموم المواطنين في مجال الإعمار مقترنة بكمّ الخدمات المقدّمة من سلطات الأمر الواقع، في مناطق الجزيرة السورية، التي لا بدّ وأن تكفّ عن قراراتها المهجِّرة للسكّان، والعمل بجديَّة؛ لإعادة النظر في خدماتها الشحيحة، هذا ما يقوله المواطنون ويريدونه أن يتحقّق فعلًا.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق