قضايا المجتمع

إصلاح أم تجديد دينيّ

ما الفارق بين الإصلاح الدينيّ والتجديد الدينيّ؟

التجديد هو: إعادة الشيء بعدما خلق وبلي إلى ما كان عليه أول الأمر وهو بالمعنى الشرعي: إحياء ما اندرس من معالم الدين، وانطمس من أحكام الشريعة. ويرى المسطرون لمعنى التجديد أنه قد يكون متمثلًا في رجل أوعلم من أعلام المسلمين ويضربون مثلًا بالفقهاء الأربعة مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وبابن تيمية أيضًا، أو في عدة أعلام ودعوات مثل دعوة الإمام “المجدد” محمد بن عبد الوهاب كما يصفون، وفي العصر الحديث دعوة وإنجاز حسن البنا، كما يسطرون.

أما الإصلاح فهو النقيض من الإفساد، ويطلق دينيًا على كل محاولة استرداد القيم الدينية، ورفع ما أثير حولها من شبه وشكوك، أو علق بها من أفعال العباد، وزيادات وافتراءات العُبّاد، ويقصد به كذلك محاولة السير بالمبادىء الإسلامية من نقطة الركود التي وقفت عندها إلى ما يلائمها في حياة المسلم المعاصر.

وباسم الإصلاح الديني قامت مجموعة حركات لمواجهة الكنيسة الغربية في روما، أبرزها حركة مارتن لوثر، المعروفة بالبروتستانتية، ودعت إلى عدة مبادئ في جملتها الدعوة إلى التحرر من طغيان الكنيسة ورجالها.

بالمعنى اللوثريّ، يسعى الإصلاح إلى القراءة الحرفيّة للنصوص بلا تأويل، ومن ثم يسعى إلى إقامة الدولة الدينيّة على أسس قومية؛ ولذلك كان تشجيع الكنائس خارج إرادة بابا الفاتيكان. جاءت هذه الدعوة للإصلاح بعد استبداد الكنيسة، وتمتعها بصلاحياتٍ وسلطاتٍ تقومُ على خلافة   الرسول “بطرس”، وترى أن هذه السّلطة منصوص عليها في إنجيل متّى، وما ورد على لسان المسيح عليه السلام: “أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأُعطيكَ مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون قد رُبط في السماء، وما تحلُّه على الأرض يكون قد حُلَّ في السماء”.

إن الإصلاح الديني تجلى في حركة محمد بن عبد الوهاب، التي نجد تشابهًا فيها مع اللوثرية من مناوأة المؤسسة الدينية في السلطنة العثمانية، إلى القراءة الحرفية للنصوص وتكريس الأقوال البشرية من بعد الرسول مرتكزات أوقفت الحياة عندها، ولاتفسير إلا ماقاله الأولون. وقد كرست الإمام أحمد بن حنبل “بطرسًا رسوليًا” كإمام لأهل السنة.

إن تشابه ابن عبد الوهاب واللوثرية تكمن في نفي حرية الإرادة -شرط العقلنة الأول- ومواجهة العقل الفلسفي، والقول بتهافته، والاستناد إلى مبدأ الجبر الذي يقيد الحرية الإنسانية ويشل حركتها، بالاعتماد الكامل على النقل ومحدودية العقل وتصرفاته، وهو أساس المدرسة السلفية المنبثقة عن الوهابية بكل تمظهراتها.

الإصلاح الدينيّ خدعة؛ لأنّ الدين ثابتٌ؛ وأمّا ما يلحق الدينَ من “انحرافٍ عن الجادّة” فهو من صنع البشر، أو بفعل تطوّر الحياة، وهذا يحتاج إلى تجديدِ أمر الدين. والحديث النبويُّ واضحٌ في هذا المنحى: “يأتي على رأس كلِّ مئة عامٍ من يجدّدُ أمر دينكم.”

نسمع اتهامًا مستمرًا لدعاة التجديد بأنهم يسعون لإجراء تغييرات في أصول الدين وفروعه؛ لتتوافق مع قيم العصر ومعطياته المستمدة من الثقافة الغربية التي هي نتاج بشري ليس للوحي أثر فيه، ويسعون لإحداث فقه جديد ملائم للعصر بدل الفقه القديم، إلا أن أهل التجديد يتطلّعون إلى إصلاحٍ فقهيّ يتجاوز مصطلحاتٍ وأحكامًا قام عليها تيّارُ الإسلام السياسيّ، الذي راح يؤسّس لفقه الدولة على قواعدَ ليست من صلب الدين، وإنّما مستندة إلى أحوال نشأة الدعوة الإسلاميّةِ الأولى، كما يؤسسون لقراءة عصرية، تستوعب قيم الحداثة من غير تصادم مع تجليات النص والوحي .

سبق أن طرحت بحثًا عن “العلمانية والتجديد الديني” بينت فيه رأيًا في التجديد جاء فيه:

” إنّ كلّ عصرٍ يتطلب التجديد لأنه مشابه لبداية الوحي ووقت نزوله، ويواجه مشكلًا يتطلب حلًا، والحل لا يتأتّى إلّا بإطلاقِ ما يمتلكه العصر من قوًى حيّةٍ وفاعليّةٍ فكريّة. وإذا كان الوحي الإلهي قد توقّف، فإنّ الإيحاء الإنسانيّ لم يتوقف، بل هو بذرة التجديد في كلّ عصر”. رياض درار ــ العلمانية والتجديد الديني ــ الحوار المتمدن، العدد: 3964ـ 6 / 1/ 2013 )

فالمجددون عليهم أن ينفضوا عن النصّ ما علق به من شوائبَ بيئيّةٍ أو مزاجيّة، ويرجعوا إلى أصله الخام، يحرصون على معناه بكلِّ ما فيه من تصويرٍ أو تخييل؛ لأنه أضمن من كلِّ عمل حضاريٍّ عليه. “الفكر التجديدي هو تطهير مستمرٌّ للنصِّ، وتفنيدٌ لكلّ ما يتعارض مع الشرع والعقل على السواء، أو يتخلّف عنهما، أو يجمّد النصّ جمودًا يُفقده فاعليّته وتأثيره. والقرآن بكونه معصومًا “لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه”، إلا أنّه كلمات، وللكلمات إيحاءاتٌ لا يمكن أن تتوقّفَ عند صورةٍ واحدة، بل تتوسّع حركيّتها بتوسّع الممارسة الحياتيّةِ في المجتمع، فتكون لها امتداداتُها واستعمالاتُها المتجدّدة.”(المصدر السابق)

“إنّ بعض ما جاءنا من تفسيرٍ على أرضيّةٍ معرفيّةٍ وثقافيّة لمن سبق يبدو متخلّفًا اليوم؛ بسبب الفهم الضيّق الذي انطلق منه المفسّر في زمانه على أرضية معرفية محدودة. وهذا يستدعي الخروج من الزنزاناتِ الثقافيّة نحو وعي متجدّد؛ لذلك فإن القضيّة ليست في الإصلاح الدينيّ (لأنّ الدين لا يختزن الفسادَ في ذاته)، بل في إصلاح الاجتهاد الدينيِّ؛ وهذا يكون بالتعمّق في النصِّ، وفي امتداده، حتى يكونَ للحياة كلّها. وهذا مصدرُ التجديد”. (المصدر السابق)

“إنّ الدعوة إلى التجديد الدينيّ تهدف إلى الخروج من المأزق الذي جعل البلاد الإسلاميّة خارج التاريخ، وهذا يتطلّب إصلاح الفكر، وتطوير الثقافة، وبناءِ التراكم المعرفيِ، والتكيّفَ مع عالم مضطرب. وبعد ذلك تنبغي صياغةٌ تدريجيّةٌ لمنظومةٍ فكريّةٍ ترتاح إليها الأغلبيّةُ الكبرى من أطرافِ المجتمع المتعددة، أديانًا وقوميات”.

“فالتجديد الدينيّ من شأنه أن يطول الدينَ في العمق، من حيث هو علاقةٌ بين الإنسان وربّه، وطريقةٌ روحيّةٌ في فهم العالم، وأن يعمل على حفظ الدين وحفظِ جوهره ونقائه من الانحرافاتِ التي يفرضها العملُ السياسيُّ على مبادئ هذا الدين. تجديد يُطْلق الآفاق الرحبة للدين بوصفه شأنًا أخلاقيًّا أولًا، ومن ثم معرفيًّا، تنتج عنه رؤًى اجتماعيّةٌ خاصّةٌ بمريديها كمكوّنٍ إضافيٍّ في مجتمعٍ متنوّع”. (المصدر السابق ــ العلمانية التجديد الديني)

مشكلة التجديد لمن أراده وسعى إليه في وجود فرامل معرقلة، ممثلة في الفقه القديم، وفي فقه القرون الوسطى، التي إن سعى ساع للخروج عليها فإنه يخاف أن يوصم بالخروج عن الدين، أو مخالفة ما علم من الدين بالضرورة، وهذا سبب الأزمة؛ لأن النص القديم غير المؤول يقول لك شيئًا، والواقع المتغير يقول لك شيئًا آخر.

فالفقه القديم يشل العقل الإسلامي، والحداثة الفكرية تحيط بنا من كل الجهات، من الغرب ومن الشرق معًا، وبالتالي؛ فنحن أمام انسداد تاريخي، فإما نظل على تأويل النص القديم، فنبقى غير فاعلين في التاريخ، وإما أن نخرج عن النص بمعنى إعادة تأويله، وبالتالي؛ ننخرط في العالم وفي الحداثة، وليس علينا أن نشعر بالذنب؛ لأننا خنّا النص الشرعي في قراءته الرسمية، فالجمود والانسداد ذنب أكبر، لمن شاء أن يتأخر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق