مقالات الرأي

في الانتماء والاعتراف

تحتل مسألتا الانتماء والاعتراف أهميةً متزايدةً في حياة السوريين وفي تنظيراتهم لهذه الحياة، داخل سورية وخارجها. وإذا كانت الإشكالية التقليدية للانتماء، على الصعيد السياسي والثقافي، تتمثل عند السوريين في التوفيق، بالدرجة الأولى، بين الانتماءات القطرية والقومية (العربية و/أو الكردية) والدينية، فإن إشكالية الانتماء بعد ما فعله تنظيم الأسد وأعوانه بسورية، بلدًا ومجتمعًا وشعبًا، قد اتخذت أشكالًا ومضامين أكثر تنوُّعًا وتعقيدًا، وبات من “الضروري”، نظريًّا وعمليًّا، أخذ ذلك التنوع والتعقيد في الحسبان، ومقاومة التيار الاختزالي الشائع، عمليًّا ونظريًّا، في التعاطي مع مسائل الانتماء والاعتراف والهوية.

من الضروري بدايةً التمييز بين الجانبين: الإرادي واللاإرادي في الانتماء؛ فمن ناحيةٍ أولى، الانتماء ليس فعلًا إراديًّا، لأننا نتشكل في عالمٍ لا دور لإرادتنا في اختياره؛ فالبعد الديني الإسلامي، على سبيل المثال، جزءٌ أساسيُّ، لدرجةٍ أو لأخرى، من ثقافة معظم السوريين، على الأقل، بغض النظر عن كونهم مسلمين أو مسيحيين أو غير متدينين أو مؤمنين. ومن ناحيةٍ ثانيةٍ، لا يقتصر الانتماء على أن يكون واقعةً موضوعيةً لا خيار لنا في حدوثها، بل يتجاوز ذلك إلى أن يكون فعلًا إراديًّا يتمثل في اختيارنا الانتماء إلى كتلةٍ أو جماعة أو أيديولوجيا… إلخ. ويمكن للجانبين الإرادي واللاإرادي أن يتعارضا أو يتطابقا أو يتكاملا، لكن لا يمكن للجانب الإرادي أن يلغي الجانب اللاإرادي أو ينفيه فعليًّا، ولا ينبغي للجانب اللاإرادي أن يمنع الجانب الإرادي أو يحدَّ من حريته في تحديد توجهاته. ويظهر عديد من المشكلات والإشكاليات حين يتناقض الجانبان الإرادي واللاإرادي من الانتماء، بحيث نعمل على الانتماء إراديًّا إلى ما لم نكن ننتمي إليه، ونرفض الانتماء إلى ما ننتمي إليه لا إراديًّا، وقد يفضي هذا التناقض إلى الاغتراب الثقافي الذي يحيل المألوف إلى غريبٍ، بدون النجاح في تحقيق مألوفٍ جديدٍ.

وفي العلاقة بيننا، بوصفنا منتمين، وبين ما ننتمي إليه، يمكن الحديث عن كون ما ننتمي إليه يشكِّل جزءًا من ذواتنا، من جهةٍ أولى، وعن كوننا جزءًا مما ننتمي إليه، من جهةٍ ثانيةٍ. فالثقافة العربية و/أو الإسلامية تشكِّل جزءًا من ذوات المنتمين، إراديًّا أو لا إراديًّا، إلى هذه الثقافة، ويهدف التشديد على جزئية المكان ونسبية المكانة اللذين تشغلهما هذه الثقافة في ذوات المنتمين إليها إلى التشديد، في المقابل، على انتمائهم الموازي، والجزئي بالتأكيد، إلى أفكارٍ وقيمٍ وعاداتٍ لا هي بالعربية ولا بالإسلامية، بدون أن تكون هذه الأفكار والقيم والعادات مضادةً بالضرورة لهذه الثقافة أو متخارجةً معها بالكامل. وعلى الرغم من إمكانية التكامل بين الانتماءات المتعددة واغتناء الذوات والثقافات والمجتمعات والدول بها وبتكاملها، إلا أنه ثمة ميلٌ دائمٌ أو شبه دائمٍ لاختزال هذه التعددية إلى هويةٍ أحاديةٍ تحاول تغليب انتماءٍ من الانتماءات، والتغلب على الانتماءات الأخرى وتهميشها وإقصائها؛ ومن هنا تأتي أهمية فكرة الاعتراف “recognition، التي تشغل موقعًا رئيسًا في المناقشات الدائرة في الفلسفة السياسية والاجتماعية والأخلاقية الغربية المعاصرة والمتمحورة حول فكرة العدالة. ويمكن تلخيص الأطروحة الأساسية لفلسفة الاعتراف في هذا الخصوص، بالقول: ثمة عدالةٌ بقدر وجود الاعتراف. لكن السؤال الأساسي أو الأولي هنا: ما الذي ينبغي الاعتراف به؟ في الإجابة عن هذا السؤال ينقسم فلاسفة الاعتراف إلى تيارين رئيسين: الأول –ممثلًا بتشارلز تايلور– يتحدث عن الاعتراف بالجماعة العضوية التي تمثل ثقافة متميزةٍ ينبغي القبول باختلافها وتقبله والحفاظ على هذه الثقافة ومنحها حقوقًا خاصةٍ لهذا الغرض، أما الثاني –ممثلًا بأكسيل هونيت– يرى أن الاعتراف هو، بالدرجة الأولى، اعترافٌ بالفرد، بغض النظر مبدئيًّا عن انتمائه إلى أي جماعةٍ أو ثقافةٍ. وعلى الرغم من أهمية نوعي الاعتراف إلا أنني أرى عمومًا أولوية فكرة الاعتراف الفردي على الاعتراف الجماعاتي، بالنسبة إلى السوريين، على الأقل في الوضع التاريخي الحالي والمستقبلي المنظور.

يوفر الاعتراف الفردي، أو الاعتراف بالفرد، فرصةً للاعتراف به بوصفه إنسانًا، وبالتعامل معه، وفقًا لمنظورٍ ينطلق بالدرجة الأولى من قيمٍ إنسانيةٍ واسعةٍ وأساسيةٍ، تتمثل في الحب والتقدير والاحترام. فالاعتراف بالفرد يعني حصوله على ما يحتاجه ويستحقه من حبٍّ (خصوصًا في الميدان العائلي أو الخاص)، وتقديرٍ (في الميدان الاقتصادي أو المهني خصوصًا)، واحترامٍ (في الميدان السياسي والقانوني والحياة العامة). الاعتراف بفردية الفرد وبفرادته، وبالتالي؛ بإنسانيته وبمساواته المبدئية مع الأفراد الآخرين، هو ما ينبغي أن يؤسس لاعترافنا به، بوصفه منتميًّا إلى هذه الثقافة أو الجماعة أو الديانة أو القومية أو تلك، لا العكس. ففي حالة العكس، نجد أن الاعتراف ينتج أو يتضمن سلبياتٍ مماثلةً للسلبيات الملازمة للانتماء الاختزالي المختزَل والمختزِل. ففي كليهما يتم تغليب ما هو ثانويٌّ على ما هو أساسيٌّ. وباختصار يتضمن الانتماء والاعتراف الاختزاليان حطًّا من إنسانية الإنسان، بقدر محاولتهما تأسيس الانتماء الإنساني على الانتماء الضيق (القومي أو الديني أو الثقافي-المحلي) لا التأسُّس عليه.

إضافةً إلى “الاعتراف باللاجئ”، بوصفها عمليةً قانونيةً تعني حصول اللاجئ على حق اللجوء، يتم احيانًا، بحسن أو بسوء نيةٍ، اختزال هذا اللاجئ إلى انتمائه المختلف عن الانتماءات السائدة في بلد اللجوء؛ فيتحدث بعض الأوروبيين المتعاطفين مع اللاجئين عن ضرورة الاعتراف باختلاف اللاجئ وبانتمائه إلى دينٍ أو ثقافةٍ أو قوميةٍ مختلفةٍ، يمكن لهذا الاعتراف بالاختلاف أن يتضمن اختزالًا كبيرًا، بقدر عدم تأسسه على الاعتراف بالإنساني المشترك بين اللاجئين والأفراد المكونين للمجتمعات والدول المستضيفة لهم، ويمكن لهذا الاختزال نفسه أن يظهر في محاولة اللاجئين تأكيد انتماءاتهم المختلفة، بوصفهم عربًا أو كردًا أو مسلمين أو مسيحيين، بدون الإقرار العملي والنظري بجزئية هذه الانتماءات وثانويتها؛ فهذه الانتماءات جزئيةٌ بقدر انتماء الشخص نفسه، انتماءً إراديًّا أو غير إراديٍّ، إلى قيمٍ وأفكارٍ وجماعاتٍ مختلفةٍ عن الانتماءات التي يعلنها ويبرزها، بدون أن تكون بالضرورة مخالفةً لها او متناقضةً معها. وفي المقابل يمكن التشديد على ثانوية هذه الانتماءات “الضيقة”، من خلال مقارنتها بالانتماء الإنساني المشترك. وانطلاقًا من جزئية تلك الانتماءات وثانويتها، ينبغي أن يتم الاعتراف بالإنسان المسلم على أساس أنه إنسانٌ أولًا، وعلى أساس أن الإسلام يمثل جزءًا منه ثانيًا، لا على أساس أنه مسلمٌ بالدرجة الأولى، ويمثل الإسلام (من دون أن ينفي ذلك أنه يمثل إسلامًا ما). والفرق كبيرٌ بين الحالتين، ففي حين أن التعامل النظري و/أو العملي مع اللاجئ (الإنسان) على أنه بالدرجة الأولى مسلمٌ، يتضمن، في كثيرٍ من الاحيان، طمسًا لمعظم معالم إنسانيته ونفيًا لانتماءاته الأخرى؛ فإن القول إن الإسلام يمثل جانبًا من انتماءاته فحسب، يعني الإقرار بضرورة عدم اختزال هذا الإنسان المسلم إلى إسلامه، إضافةً إلى عدم اختزال الإسلام إلى إسلام هذا المسلم. والتشديد في الاعتراف على انتماءٍ واحدٍ أو أحاديٍّ، قد يفضي إلى تضخم هذا الانتماء أو تضخيمه، بحيث يتحول الاعتراف من إقرارٍ بوجود هذا الانتماء وقبوله وتقبله، إلى خلقٍ له أو تعزيزٍ مفرطٍ لهذا الوجود.

ما قام به النظام في سورية جعل كثيرًا من الانتماءات تنحدر من القومية والدين، أو حتى العالمية والإنسانية العامة، إلى جهوياتٍ طائفيةٍ ومحليةٍ بالغة الضيق، ومضادةٍ لكل القواسم المشتركة التي يمكن أن تجمع بين السوريين في بلدٍ يستحق أن يسمى وطنًا، ويبقى هذا الوطن المأمول حلمًا يتسلل إلى مخيلة السوريين أحيانًا، على الرغم من كل الكوابيس التي يعيشونها ويعايشونها. وفي الطريق إلى تحقيق ذلك الحلم، من المأمول أن تسمح الأحوال بألا يتم اختزالنا إلى انتماءٍ ضيقٍ واحدٍ، مهما بلغ تعلقنا بهذا الانتماء، وبأن يتم تأسيس هذه الانتماءات على قيمٍ إنسانيةٍ عامةٍ، تجمعنا وتوحدنا بدون أن تفصلنا عن بقية البشر، كما يفعل كثير من الانتماءات الجزئية غالبًا. وفي هذه الحالة المأمولة، لا تتأسس الدولة على روابط قوميةٍ أو دينيةٍ أو ثقافيةٍ – محليةٍ، يُعتقد بوجودها بين كل أو معظم السوريين، وإنما تتأسس على قيمٍ إنسانيةٍ عامةٍ، كالحرية والعدالة والمساواة، وهي قيم يمكن “بسهولة” نسبيةٍ التوحد حولها وبها، من دون الانفصال مبدئيًّا عن انتمائنا الإنساني العام.

“القومية الصحيحة” كامنةٌ في “الإنسانية الصحيحة” وليس العكس، كما يمكن أن يوحي مقالٌ لبديع الكسم، معنونٍ: “الإنسانية الصحيحة في القومية الصحيحة”. والحكم نفسه ينطبق على القيم أو الانتماءات الجماعاتية الدينية أو غيرها من الانتماءات الضيقة أو الجزئية. وينبغي ضبط انتماءاتنا القومية والدينية والجماعاتية عمومًا، وفقًا للانتماء الإنساني المشترك، وما يتضمنه من قيمٍ وحقوقٍ إنسانيةٍ عامةٍ، لا العكس؛ فلا يوجد ناسخٌ ومنسوخٌ في حقوق (وواجبات) الإنسان والقيم الإنسانية الأساسية، فهذه الحقوق (والواجبات) والقيم هي التي ينبغي أن تكون ناسخةً ومبطلةً لكل ما يمكن أن ينسخها ويبطلها.

الاعتراف بالشخص، بصفته إنسانًا، وبالإنسان بوصفه فردًا، هو أساسٌ، أو ما ينبغي أن يكون أساسًا لكل الانتماءات والاعترافات الأخرى. والاعتراف بالشخص، بصفته إنسانًا، يعني الإقرار العملي والنظري، بالمساواة الأولية الضرورية في الحقوق والواجبات، والمنزلة القيمية لكل شخصٍ، وبضرورة أخذ ذلك في الحسبان، في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية، المحلية منها والدولية. وفي المقابل، إن الاعتراف بفردية الفرد، يعني عدم رده أو اختزاله إلى أي انتماءٍ جهويٍّ أو جزئيٍّ. ولا منزلةً كبيرةً للانتماءات اللاإرادية، على صعيد الاعتراف، إلا بقدر تبنيها الإرادي وتحولها الاختياري الحر إلى انتماءاتٍ إراديةٍ، لا تتناقض مع إنسانية الإنسان وفرديته وتعدد انتماءاته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق