مقالات الرأي

نقاش في ظاهرة “داعش”

كان سيطرته على مدينة الرقة، في كانون الثاني/ يناير 2014، من “جبهة النصرة”، بمثابة البداية لصعود “داعش” في المشهد السوري، وكانت هذه البداية غامضة، مثل أوضاع سيطرة الجبهة المذكورة على تلك المدينة، بعد انسحاب النظام منها في نيسان/ أبريل 2013.

أيضًا، ارتبط ظهور هذا التنظيم سواء بمسمياته السابقة: “جماعة التوحيد والجهاد”، أو “تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين في عام 2004، أو “مجلس شورى المجاهدين” أو “دولة العراق الإسلامية” عام 2006، بمنظمة “القاعدة”، مثله مثل “جبهة النصرة”، بل إنهما عملا سويًا إلى أن افترقا وتنازعا بعد إطلاق أبو بكر البغدادي على تنظيمه اسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، في نيسان/ أبريل 2013، ولا سيما بعد إعلانه الخلافة، وإقامة “الدولة الإسلامية” في حزيران/ يونيو 2014، بعد السيطرة على الموصل، ومجمل محافظة نينوى في العراق، وعلى الرقة والطبقة وأراض شاسعة في منطقتي الجزيرة والشمال السوريين.

هذا التقديم بغرض توضيح أن نشوء “داعش”، ولاسيما صعوده، واحتلاله المشهدين: السوري والعراقي، لم يأت بنتيجة تطور طبيعي في الحركات الإسلامية المقاتلة والتكفيرية، وفي قدراتها وإمكانياتها، بقدر ما إنه يعود إلى الشروط المساعدة، أو إلى التسهيلات التي مكنته من حيازة الموارد المالية والعسكرية (خاصة بعد سيطرته على الموصل)، كما إلى تباين إرادات الفاعلين الإقليميين والدوليين، الذين أتاحوا له الاستمرار والتمدد، بل ووظفوه، كل لأغراضه السياسية.

باختصار، فقد مُكّن “داعش” من الاستيلاء على ترسانة تسلّح كاملة، لأربع فرق عراقية (في الموصل)، وهذا تكرّر في أماكن أخرى في سورية، مثلًا كالطبقة وتدمر في سورية، كما مُكّن من أموال المصرف المركزي العراقي في تلك المدينة، فضلًا عن تمكينه من عديد من حقول النفط في العراق وسورية، وحتى من المتاجرة بالنفط مع أكثر من طرف!

فوق كل ذلك؛ فإن القوى التي ادعت محاربة الإرهاب لم تشتغل على استهداف “داعش” الذي كانت قواته تتحرك بحرية شبه مطلقة، وفي مواكب سيارة في مناطق مكشوفة بين باديتي العراق والشام. وها نحن نشهد أن “داعش” لم يصمد في أي منطقة ووجه فيها في سورية والعراق، وأنه يهرّب قواته من الموصل إلى الرقة على مرأى من كل التحالفات الدولية، وضمنها سلاح الطيران الروسي والسوري، في حين يجري استهداف حلب تحديدًا.

القصد أن “داعش” حركة من نوع خاص، أي ليست حركة سياسية طبيعية، وليست نتاج حراكات سياسية في التيارات الإسلامية في مجتمعي العراق وسورية؛ إذ المصطنع فيها أكثر من العادي، والخارجي أكثر من الداخلي، وهي نتاج الغضب والإحباط، والتدين والعدم، كما أنها نتاج صعود التيارات الدينية وهبوطها. أيضًا، هذه ظاهرة جرى تصنيعها وتضخيمها وتوظيفها؛ لإدارة الصراعات المحليّة أو للتحكّم بها، أو كأداة للصراع بالوكالة؛ إذ لكل فاعل إقليمي ودولي “داعش” خاصّته، هذا لا يعني أنه يتبع دولة معينة، على الرغم من أن ثمة دولًا بذاتها سهلت قيامه (العراقي والسوري وإيران)، فهكذا ظاهرة يكفي تخليقها فحسب؛ كي تولد دينامياتها وحيواتها الخاصة.

لنلاحظ في هذا السياق أن أكثر من استفاد من “داعش” هو النظام وإيران وروسيا، فهؤلاء اشتغلوا على وأد الثورة السورية، وتقويض صدقيتها، وتشويه صورتها (عربيًا ودوليًا)، وتحويل الصراع إلى مجرد حرب ضد الإرهاب؛ علمًا أن هذه القوى أقل شيء حاربته هو “داعش”، وفي المقابل فإن أقل شيء حاربه “داعش” هو هذه الأطراف، بانشغاله بمقاتلة واستنزاف قوى المعارضة السورية، وقضم المناطق التي كانت تسيطر عليها.

ناحية أخرى يفترض لفت الانتباه إليها، وهو أن ظاهرة “داعش” و”النصرة” أدت -فيما أدت إليه- إلى تقويض صورة وشرعية التيارات الإسلامية المدنية والمعتدلة، ولا سيما أن هذه التيارات لم تشتغل على نزع شرعية جماعات السلفية الجهادية المتطرفة والإرهابية، ولم تشتغل على تمييز نفسها عنها، ولا سيما بتفنيدها منطلقاتها، المتعلقة بالجهاد والتكفير والجاهلية والحدود والخلافة والحاكمية.

على أي حال، فإن ظاهرات انفجار وتفسّخ التيارات الإسلامية المقاتلة والتكفيرية، إن على شكل “القاعدة” او “داعش” وأي من أخواتهما، لا يقتصر على التيارات الإسلامية التكفيرية والعنفية “السنّية” إذ هو يشمل الجماعات الإسلامية الميلشياوية “الشيعية”، أيضًا، بل ربما أن الثانية تعزز من مكانة الأولى، بخاصة أن هذه لديها دولة مركز (إيران)، ولديها مرجعية دينية (الولي الفقيه)، ولديها تراتبية دينية، في حين أن الإسلام السياسي “السني” يفتقر إلى كل ذلك، إذ لا دولة استطاعت أن تُشكّل مركزًا له، ولا حزبًا، ولا زعيمًا أو رجل دين، بل إن “السنّة” لا يعرفون أنفسهم كطائفة. والمعنى أن ما تفعله ميلشيات حزب الله وكتائب أبو الفضل العباس وألوية بدر والنجباء وزينبيون وفاطميون وعصائب أهل الحق والحرس الثوري الإيراني في سورية والعراق لا يقل وحشية عما تفعله “داعش” وأخواتها، بل إنها حرضت على تخليقها، مع العلم أن “داعش” ذاته يستهدف البيئات الشعبية “السنّية”، أكثر من أي بيئة أخرى.

ليس القصد تبرئة البيئات الشعبية “السنّية”، أي التي يجري تعريفها كذلك، تحديدًا، فهي الأكثر تضررًا من الجماعات المقاتلة التكفيرية والإرهابية، وإنما نقصد لفت الانتباه إلى أن البيئات الفقيرة و”المعتّرة” والمهمّشة، ماديًا وتعليميًا، لا تستطيع إنتاج جماعات كهذه؛ لأنها بالكاد تستوعب الفرائض الدينية وخطب “الجمعة”، فمن أين لها أن تستوعب ابن تيمية والمودودي وسيد قطب مثلًا، هذا إن سمعت بهم، لذا؛ فالأجدى التمييز بين الحقيقي والمصطنع في نشوء هذه الظواهر، وتفسير صعودها، ومكامن قوتها، في هذه الفترة القصيرة، والتي لا تقتصر على عنف النظام السوري، وطائفية النظام العراقي وفساده وتبعيته لهيمنة إيران، فهذا جزء مهم من الحكاية، والأرجح أن الجزء الأخر يكمن في محاولات النظامين المذكورين تخليق “غول” أخر، لصدّ الحراكات الشعبية، وحرفها وتشويهها، كما يكمن في الأجندات الخارجية المتضاربة، التي تتلاعب بأوضاع سورية والعراق، والتي ترسمها دوائر مخابرات دول، سواء تلك التي تدافع عن نظامي هذين البلدين، أم تلك التي تقف ضدهما.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق