قضايا المجتمع

المواثيق الدولية الناظمة للسلطة القضائية

يقوم النظام الدولي على أن الدول هي أشخاص القانون الدولي، والدول تمثلها في المؤسسات الدولية سلطات هذه الدول، وبالتالي؛ كان من المفترض تحديد الأسس القانونية  التي تؤهل تلك السلطات لتمثيل تلك الدول، لكن العوار الذي أصاب القانون الدولي ومنظماته الدولية، بدءًا بهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها، هو أن تلك الهيئات الدولية للنظام الدولي تأسست على يد المنتصرين في الحرب العالمية الثانية ، فاعتُمد قانون القوة على حساب قوة القانون، وتمثل ذلك في احتكار القرار الدولي في السلطة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة، المتمثلة في مجلس الأمن، بيد الدول التي تمتلك القوة؛ فاحتكرت حق “الفيتو” بموجب المادة /27/ من ميثاق الأمم المتحدة، وامتد ذلك التعسف إلى السلطات التنفيذية في داخل الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة ، تنال تلك العصابة الاعتراف الدولي، وتحتل مقعد تلك الدولة في هيئة الأمم والمنظمات الدولية، فدول الفيتو هي التي تمنح المقعد لسلطة الدولة، أو تحجبه بناء على مصالحها، وليس تأسيسًا على شرعية السلطة ومشروعيتها في تلك الدولة، وهذا ينعكس بدوره سلبًا على مؤسسات تلك الدولة في الداخل، وفي طليعتها السلطة القضائية، فالذين وضعوا أيديهم الغاصبة على مؤسسات السلطة التنفيذية في دولة ما، واكتسبوا الاعتراف الدولي بهم، لن يستقر لهم الأمر إلا بتخريب السلطتين: التشريعية، أولًا، وبخاصة القضائية، ثانيًا، وهذا يهدد وجود الدولة المشروعة أساسًا؛ لأن وجود سلطة قضائية عادلة ومستقلة ومحايدة ونزيهة في أي دولة، يتناسب طردًا مع وجود الدولة نفسها ، وتاليًا حرية الإنسان ذاته، وهكذا افتقد النظام الدولي الشروط الأساسية لقيام نظام دولي عادل، بافتقاده اشتراط قانوني دولي بأن تكون السلطة التي تمثل الدولة في المؤسسات الدولية، ابتداءً من هيئة الأمم المتحدة، سلطة شرعية بمعنى صحة تمثيلها للشعب في الدولة المعنية، بموجب نص قانوني دولي ملزم، كان يجب النص عليه مع تأسيس هيئة الأمم المتحدة لبناء نظام عالمي عادل.

لقد أدى هذا العوار في النظام الدولي إلى انفصام شبه تام بين المؤسسات التنفيذية الدولية، وبين النصوص التي تصدر عن المنظمات الحقوقية ذات الصدقية، والتي لم تجد طريقها للتنفيذ، وهكذا فإن النصوص التي تضمنتها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والعدالة الدولية والمساواة بين أشخاص النظام الدولي “الدول” والقضاء الدولي بقيت حبرًا على ورق، وتطبَّق استنسابيًا، وفق مصالح دول “الفيتو” ، ويتم التغاضي عن الجرائم التي تتعرض لها الأمم والشعوب من دول الهيمنة الدولية مباشرة، أو من عصابات إجرامية محلية داخل تلك الدول، قد تكون حاكمة أغلب الأحيان، مرتبطة بمصالح دول “الفيتو”، وعلى الرغم من ذلك، يقوم الطغاة في تلك الدول بتدبيج المواثيق الدولية حول العدالة وحقوق الإنسان نظريًا في دساتيرهم وتشريعاتهم، طالما أنها بلا أثر في الواقع، بل تتم المبالغة بالتغني بتلك النصوص؛ حتى في الدول الأكثر انتهاكًا لحقوق الإنسان؛ للتضليل والتغطية على الانتهاكات الخطِرة للحقوق الأساسية للإنسان، دون أن يسأل أحد عن صدقية تطبيقها، ويستمر، في الوقت ذاته، مشهد “السجاد الأحمر” في ساحات قصور الدول الكبرى، وفي ساحات الهيئات الدولية، يُفرش للطغاة ومغتصبي السلطات في بلدانهم، وتعُزف لهم الأناشيد الوطنية، ويُنفخ لهم في الأبواق، إلا إذا كانت تلك المساءلة تصب في مصلحة إحدى الدول الكبرى، بينما تنص المواثيق الدولية الحقوقية -في عدد من موادها- على تأكيد المساواة أمام القانون، وعلى حق كل إنسان في أن تنظر في دعواه محكمة عادلة وحيادية ومستقلة ونزيهة، وهي تفرض على النظام القانوني في أي دولة حماية هذه الحقوق “إذا أريد للبشر ألا يضطروا آخر الأمر إلى اللياذ بالتمرد على الطغيان والاضطهاد”.

أما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المؤرخ في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1948، فقد أكد على هذه الحقوق في مواده (7-8-10-11) حيث نصت المادة (10) منه أن: “لكل إنسان، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة، نظرًا منصفًا وعلنيًا، للفصل في حقوقه والتزاماته وفى أي تهمة جزائية توجه إليه”.

بينما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي اعتُمد، ودخل حيز النفاذ بتاريخ 23 آذار/ مارس 1979، فينص في المادة 2 منه على أن: “تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيًا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب”. ومن مقتضيات هذا التعهد خصص العهد الدولي المادة 14 منه؛ للحديث عن السلطة القضائية، وفيها أن: (الناس جميعًا سواء أمام القضاء، ومن حق كل فرد، لدى الفصل في أي تهمة جزائية توجه إليه، أو في حقوقه والتزاماته في أي دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون.

في النصف الثاني من القرن العشرين، قامت لجنة الحقوقيين الدوليين في جنيف، في عام 1978، بإنشاء مركز لاستقلال القضاء يعمل على تطوير مبادئ هذا الاستقلال في جميع أنحاء العالم، كما كان لجهد كلٍ من: لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، واللجنة الفرعية لمحاربة التمييز وحماية الأقليات، التابعة للجنة حقوق الإنسان، إضافة إلى لجنة الأمم المتحدة لمنع الجريمة، الدور المهم في صدور الإعلان العالمي حول استقلال القضاء، الصادر عن مؤتمر مونتريال في كندا عام 1983، والذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/ 12/ 1985، وأكدت مواد هذا الإعلان عددًا من المسائل التي تتعلق بعمل السلطة القضائية، بما يضمن لها القيام بدورها على الوجه الأمثل، وحددها الإعلان تفصيليًا، ومن هذه المسائل:

1- تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية، وينص عليه دستور البلد أو قوانينه، ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية، وغيرها من المؤسسات، احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية.
2 – تفصل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها دون تحيز، على أساس الوقائع، ووفقًا للقانون، ودون أي تقييدات أو تأثيرات غير سليمة، أو أي إغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات، مباشرة كانت أو غير مباشرة، من أي جهة أو لأي سبب.

3 – لكل فرد الحق في أن يحاكم أمام المحاكم العادية، أو الهيئات القضائية التي تطبق الإجراءات القانونية المقررة، ولا يجوز إنشاء هيئات قضائية، لا تطبق الإجراءات القانونية المقررة بحسب الأصول، والخاصة بالتدابير القضائية؛ لتنتزع الولاية القضائية التي تتمتع بها المحاكم العادية أو الهيئات القضائية.

4 – وفقًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يحق لأعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين التمتع بحرية التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع، ومع ذلك يشترط أن يسلك القضاة دائمًا، عند ممارسة حقوقهم، مسلكًا يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء.

5 – يتعين أن يكون من يقع عليهم الاختيار؛ لشغل الوظائف القضائية أفرادًا من ذوي النزاهة والكفاءة، وحاصلين على تدريب أو مؤهلات مناسبة في القانون، ويجب أن تشتمل أي طريقة لاختيار القضاة على ضمانات ضد التعيين في المناصب القضائية بدوافع غير سليمة، ولا يجوز عند اختيار القضاة، أن يتعرض أي شخص للتمييز على أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو الآراء السياسية أو غيرها من الآراء، أو المنشأ القومي أو الاجتماعي، أو الملكية أو الميلاد أو المركز، على أنه لا يعدّ من قبيل التمييز أن يشترط في المرشح لوظيفة قضائية أن يكون من رعايا البلد المعني.

كذلك تضمن الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي اعتُمد من القمة العربية السادسة عشرة، بتاريخ 23 أيار/ مايو 2004، عددًا من المبادئ التي أقرت أن: “جميع الأشخاص متساوون أمام القانون، ولهم الحق في التمتع بحمايته من دون تمييز…، وجميع الأشخاص متساوون أمام القضاء. وتضمن الدول الأطراف استقلال القضاء وحماية القضاة من أي تدخل أو ضغوط أو تهديدات، كما تضمن حق التقاضي بدرجاته لكل شخص خاضع لولايتها…، ولكل شخص الحق في محاكمة عادلة تتوافر فيها ضمانات كافية، وتجريها محكمة مختصة ومستقلة ونزيهة ومنشأة سابقا بحكم القانون، وذلك في مواجهة أي تهمة جزائية توجه إليه، أو للبت في حقوقه أو التزاماته، وتكفل كل دولة طرفًا لغير القادرين ماليًا الإعانة العدلية؛ للدفاع عن حقوقهم. وتكون المحاكمة علنية إلا في حالات استثنائية، تقتضيها مصلحة العدالة في مجتمع يحترم الحريات وحقوق الإنسان.”.

  • ويمكن تحديد أهم المواثيق الدولية والعربية المتعلقة بالسلطة القضائية بما يلي:
  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 217 (د-3)، المؤرخ في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1948.
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 (د -21)، المؤرخ في 16 كانون الأول/ ديسمبر 1966، تاريخ بدء النفاذ: 23 آذار/ مارس 1976.
  • المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، التي اعتمدت ونشرت على الملأ بموجب قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة 40/32 المؤرخ في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1985 و40/ 146، المؤرخ في 13 كانون الأول/ ديسمبر
  • إعلان بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة اعتمد ونشر على الملأ، بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 40/ 34، المؤرخ في 29 تشرين الثاني/ ديسمبر
  • مبادئ أساسية بشأن دور المحامين، اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، المعقود في هافانا من 27 آب/ أغسطس إلى 7 أيلول/ سبتمبر 1990.
  • الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي اعتُمد من قبل القمة العربية السادسة عشرة التي استضافتها تونس، في 23 أيار/ مايو 2004.

لقد استعرضنا -باختصار شديد- المواثيق الدولية والعربية التي تتعلق بالسلطة القضائية، مباشرة أو بشكل غير مباشر، لكن التزام سلطات الدول بتلك المبادئ والقواعد القانونية كان متفاوتًا من دولة إلى أخرى فكثير من الدول التي وقعت على تلك المواثيق مما يلزمها العمل بموجبها تطبيقًا لاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات عام 1973 لم تتقيد بمضمونها؛ حتى وإن نصت عليها في تشريعاتها.

 

 

كلمات دلالية: وقعت, استعرضنا, الجمعية, المتحدة, الجريمة.

تعريف: أدى العوار في النظام الدولي إلى انفصام شبه تام بين المؤسسات التنفيذية الدولية، وبين النصوص التي تصدر عن المنظمات الحقوقية ذات المصداقية، والتي لم تجد طريقها للتنفيذ، وهكذا فإن النصوص التي تضمنتها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والعدالة الدولية والمساواة بين أشخاص النظام الدولي “الدول” والقضاء الدولي بقيت حبرًا على ورق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق