كلمة جيرون

النازيون الجدد

أذكر أني في عام 1977 زرت صديقي فنان الكاريكاتير والرسوم المتحركة، موفق قات، في مكان إقامته في موسكو؛ حيث كان يختص في أفلام الرسوم المتحركة في المعهد العالي للسينما، وأول ما لفت انتباهي في غرفته الطلابية المضيئة والنظيفة، لوحة كبيرة بلا إطار، تستند على جدار أبيض، وهي لجنديين قتيلين في مقتبل العمر، أحدهما يرتدي بزة سوداء والآخر بزة بيضاء؛ الأبيض مات وهو ينظر إلى السماء والأسود يكاد يحتضن الأرض بذراعه المعقوفة، وقد وضع كل منهما رأسه الأشقر بجوار رأس الآخر، كأنهما صديقين، أو أخوين قتلتهما الحرب، وتكاد لا تميز الفرق بينهما، لولا هاتين البندقيتين المتروكتين بعيدًا عنهما، لكنك تدرك مباشرة أن أحدهما روسي والآخر ألماني.

 

عندما لاحظ موفق اهتمامي باللوحة، قال شارحًا: هذه لأستاذي باريس نيمنسكي. قلت بسذاجة المهووس بالمسرح: كأنها مشهد ملحمي جمّده الزمن. قال: أعجبتك؟ قلت: رائعة! صرخة في وجه الحرب. فقال ساخرًا كعادته: تم رفضها في “المعرض السنوي”، لأن صاحبها وضع شابًا روسيًا قتيلًا بجوار شاب ألماني قتيل، معًا على الأرض… وقد طلبوا منه أن يعدل اللوحة؛ بحيث يضيف إلى القتيل الألماني ثلاثة قتلى، كي يظهر الروسي فيها بطلًا… علمًا أن أستاذي كان يقصد ما وصلك منها تمامًا؛ صرخة ضد الحرب، والسؤال لديه كان: لماذا يتقاتل شابان جميلان؟ لماذا لا تكون المحبة والصداقة بينهما بدل الحرب؟ لكن الحزب رفض حجته…

 

سألت: وهل عدّلها؟ قال نعم، عدلها بلوحة بائسة قاتمة وأضاف إليها قتيلين ألمانيين…

 

حدث ذلك بعد اثنتين وثلاثين سنة من الحرب العالمية الثانية، وكانت الحرب الباردة ما تزال على أشدها بين الشرق والغرب، وصور بريجينيف العملاقة تغطي واجهات البنايات، وتماثيل لينين تملأ الشوارع والساحات. كما كان الاتحاد السوفياتي يعلن -ليلًا نهارًا- صداقته للشعوب النامية والمضطهدة، والوقوف معها ضد الإمبريالية والاستعمار، ومن بينها الشعب السوري الذي كان الفنانون فيه -أيضًا- يرسمون صور قائدهم، وينحتون تماثيله التي ملأت البلاد طولًا وعرضًا، وفي أوقات فراغهم، يرسمون (ما يجب عليهم رسمه)؛ إنجازات الحركة التصحيحية، وانتصارات تشرين، ومجد الأمة والحزب القائد، وتجهيز الجيش والقوات المسلحة؛ لتحرير فلسطين واستعادة الجولان المحتل، وبناء المستقبل المشرق للشعب السوري، والأمة العربية الواحدة.

بعد سنوات طويلة جدًا؛ بعد سقوط بريجينييف والاتحاد السوفياتي الصديق، وقدوم الثنائي المرح بوتين/ مدفييدف، وبعد تدخل الروس ضد شعبي، ومشاهدة ضحايا جيشه الذي دحر النازيين، أرسل إلي موفق اللوحة الثانية؛ اللوحة التي يظهر فيها “الجندي الروسي البطل”. وقد أخبرني بأن أستاذه، باريس نيمنسكي، ما زال حيًّا، وأنه تجاوز الرابعة والتسعين من العمر؛ وما زال على اتصال به، وقد أرسل إليه -منذ بضعة أشهر فقط- زجاجة كونياك مع بعض الهدايا… طلبت من موفق أن يبلغه تحيات سوري مكلوم، ما زال يكن له المودة، وأن لوحته الثانية ولّدت لديه سؤالًا حارقًا: هل كانت صرخة نيمنسكي ضد الحرب فحسب، أم كانت تنبؤًا بولادة نازيين جدد؟!

واليوم، وبعد كل ما حدث لسورية والسوريين، على يد هذا الجيش “البطل”، كم سنة سنحتاج لننسى ما فعلته بنا الطائرات والدبابات الروسية؟ كم لوحة للخراب سنرسم وكم مذبحة؟ كم نصب للشهداء سنقيم وكم قصيدة رثاء سنكتب، وكم مدينة سنعيد بناءها؛ مثلما أعادت الشعوب بناء مدنها المدمرة بعد الحرب؛ لندن ووراسو وستالينغراد ولينينغراد ولايبزك وبرلين وهانوي وهيروشيما وغروزني…إلخ؟

 

لا شك عندي في أن الشعب الروسي شعب محب للسلام، لكن هتلر تمكن خلال سنوات قليلة من تحويل أغلبية الشعب الألماني المسالم إلى شعب نازي، فهل يكرر بوتين التجربة؟ وهل يستطيع إعادة إنتاج النازية في كرة أرضية، أصبحت بلا سقف يحميها، وعصر بربري سقطت فيه القيم الأخلاقية والإنسانية؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق