سورية الآن

بوتين وثورة السوريين

على الرغم من الزخم الإعلامي الأوروبي المناهض للعدوان الروسي المستمر على مدينة حلب، وخاصة من جانب فرنسا وبريطانيا، والذي تجاوز مرحلة ردود الفعل الآنية والمُرتجلة، واكتسى طابعًا رسميًا، تجسّد في تصريحات لرئيسي حكومتي الدولتين، تدينان العدوان الروسي بشدة، وتُعدّانه جريمة بحق الإنسانية، وتُوِّج برفض الحكومة الفرنسية استقبال بوتين في باريس، إلّا أن هذا الموقف المهم جدًا، لم يجدِ في كبح العدوان، أو تخفيف معاناة السوريين الذين تقصفهم طائرات بوتين، بل لعلّ الأمر بعكس ذلك؛ إذ إن شراسة الروس قد ازدادت ضراوة في حلب، وعلى المستوى السياسي، ازدادت مواقف حكومة بوتين صلفًا وإصرارًا على العدوان، تحت لائحة الذرائع ذاتها، والتي تتمثل بوجود (جبهة النصرة)، وفصائل “إرهابية” أخرى في القسم الشرقي من حلب “المحررة”.

ثمّة ما يدفع إلى الوقوف عند أمرين اثنين: أولهما؛ أن بوتين يُدرك جيدًا أن الرفض الفرنسي – البريطاني، وكذلك الرفض الأوروبي لعدوانه، لن يتخطى تخوم الإعلام، طالما أن المصالح الأوروبية المادية لم تتعرّض لخطر من جرّاء هذا العدوان، كما يدرك -أيضًا- أن الوازع القيَمي أو الأخلاقي في إدانة العدوان، من المُستبعد -في ظل الأوضاع الراهنة- أن يتحوّل إلى فعل له تأثير مادي ملموس، ثانيهما؛ أن حملة الإدانة الأوروبية لروسيا غالبًا ما تُنتِج مفعولًا عكسيًا داخل روسيا، فثمة إرث سيكولوجي “شيوعي”، ما تزال آثاره كامنة في الشعب الروسي، ولعلّنا نتوهّم إذا اعتقدنا بزواله نهائيًا خلال عقود قليلة من الزمن، ويتمثّل هذا المُنتَج النفسي برصيد هائل ومتراكم من التعبئة الشعبوية ضد “أعداء الإمبريالية الغربية” التي “تُجسّد قمة الشرّ”، وذلك موازاةً لشعور عام لدى قطاعات واسعة من الروس، ترى في التدخل الروسي في القضية السورية سبيلًا إلى استعادة روسيا دورها الإمبراطوري على المستوى الدولي.

هكذا يبدو أن مجمل الضغوط الإعلامية التي يمارسها الغرب على بوتين، تتحول لديه إلى حاجة تُستثمر داخليًا لزيادة شعبيته، التي تنظر إليه كبطل يسعى لإعادة “المجد” السالف للروس.

لكن، ألم يكن من الممكن للدول العربية والإسلامية (الحليفة للثورة السورية)، أن تكون صاحبة دور في تعزيز الضغط الإعلامي الأوروبي على حكومة بوتين، وتحويله إلى مواقف ذات فاعلية أكثر في لجم العدوان، قد لا تحتاج الإجابة إلى كثير من التفصيل، ذلك أن مجمل المواقف الرسمية للعرب مُخيّبة، فالموقف المصري في مجلس الأمن الذي صوّت لصالح المشروعين (الفرنسي والروسي في آن معًا) يكاد يختزل العديد من الدلائل التي تؤكّد التنصّل التام من المسؤولية حيال حرب إبادة يتعرض لها السوريون، ثمّ إن الموقف السعودي العاتب على المصريين، لم يتعدَّ عتبه الحدود الإعلامية، وكنّا نتمنّى لو أنه تحوّل إلى احتجاج رسمي للخارجية السعودية، تُطالب فيه الحكومة المصرية بإبداء موقف واضح وصريح في شجب العدوان على الشعب السوري، فضلًا عن موقف الجامعة العربية البائس، والخاذل للشعب السوري، ثمّ جاء ما يعزز إضعاف موقف السوريين والأوروبيين معًا، وهو الزيارة التي قام بها بوتين إلى تركيا الإثنين الماضي، موازاة مع حمم الموت الروسية التي تمطر الأحياء المدنية في حلب.

إن الوقوف على تقييم المواقف الإعلامية الإقليمية والدولية لا ينبع من قناعة بالتعويل عليها وحدها، وعدّها الوسيلة الوحيدة لمجابهة العدوان الروسي – الأسدي، بل تنبع من إدراك حقيقة مؤلمة، تتجسّد في حالة اليُتْم التي حلّتْ بالثورة السورية، إذْ وحدهم السوريون هم الغائبون عن مشهد قضيتهم، وإن حضروا، فإن حضورهم ليس أكثر من صدى لمصالح مَنْ يُمسك بخيوط قضيتهم، ولعله لم يعد جديدًا القول بأن الأرض السورية غدت مسرحًا لصراع مصالح إقليمية ودولية، وأن إيجاد حل سياسي للقضية السورية سيكون مرهونًا بتوافق تلك المصالح.

أخفقت الكيانات “الرسمية” للثورة السورية (الائتلاف الوطني لقوى الثورة، وقبله المجلس الوطني) في تمثيلٍ يليق بثورة السوريين، ويوازي تضحياتهم، لكن هذا الإخفاق لن تُعفى من جريرته بقية القوى الأخرى، المتمثلة بالأحزاب والتيارات والتجمعات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، ولن يجدي الادعاء ببعدها عن مركز اتخاذ القرار، أو عدم حصولها على شرعية دولية أو إقليمية، ذلك أن مصدر الشرعية الأهم لا يكون في مصادر الدعم المادي الإقليمي أو الدولي (على أهميته)، ولا يتأتى من قادة وأمراء حرب “متأسلمين”، أمسكوا ببقع جغرافية من الأرض السورية، وإنما يتأتى -بالدرجة الأولى- من الإيمان المطلق بعدالة القضية السورية، ومن الدماء التي سالت على الأرض، إيمانًا من أصحابها بأن ثورة السوريين هي لأجل الحرية والخلاص من الاستبداد، وتحقيق العدالة والكرامة لكل السوريين، وكذلك تكمن الشرعية لدى جميع السوريين الذين ما يزالون يُناضلون ضد كل أشكال القهر والظلم، أيًّا كانت هويته ومصدره، ويؤمنون  بأن الخلاص من الاستبداد مرهون بإقامة دولة الديمقراطية والمواطنة، وهذا لا يعني أننا نتحدث عن شرائح افتراضية من السوريين، ولا هو أحلام رومانسية ثورية، وإنما نتحدث عن جماهير سورية واسعة، سواء في الداخل السوري، أو في المنافي ودول اللجوء، يزداد يقينها رسوخًا بقيم الثورة ومبادئها، كلّما أوغل النظام وحلفاؤه في الإجرام.

إن عودة الأحزاب والقوى الوطنية الديمقراطية للالتحام بجماهير الثورة، والعمل على تعزيز قيمها على المستويات الشعبية، محليًا وعربيًا ودوليًا، هو سبيل متاح، وقد يرى بعضهم في ذلك عودة إلى نقطة الصفر، لكن ثورة السوريين هي ثورة أجيال، وليست طفرة مرحلية، فضلًا عن أن البناء السليم، ولو كان بطيئًا، هو أجدى -بكثير- من القفزات الوهمية التي لن تثمر إلا الخذلان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق