قضايا المجتمع

نفاد الغذاء والدواء في حلب

تتفاقم الأوضاع الصحية والإنسانية في حلب، يومًا تلو الآخر؛ فتترك ما يزيد عن 300 ألف إنسان في عجز تام، وموت يومي، ودمار على الصعُد كافة، ويؤكد ناشطون وسكّان محليون أن المواد التموينية والغذائية الأساسية أوشكت على الانتهاء، وبعضها نفذ بالفعل، ما يهدد بكارثة غير مسبوقة.

وفي هذا السياق، قال الناشط الإعلامي أبو تيم الحلبي لـ (جيرون): “تزايدت وتيرة القصف منذ نحو يومين، وتركّزت الضربات على أحياء بستان القصر والكلاسة والفردوس وأسواقها؛ فاستُهدفت بالصواريخ الفراغية والارتجاجية، إضافة إلى القصف المدفعي المكثّف؛ ما أدى إلى سقوط نحو 100 مدني خلال ثمان وأربعين ساعة، هناك بعضهم مازال تحت الأنقاض، لأن فرق الدفاع المدني غير قادرة على انتشال الجثث إلا بصعوبة”.

المواد التموينية نفدت!

يؤكد الحلبي أنه “لم يتبق شيء في السوق، فالحصار هذا أصعب من الحصار السابق بكثير، لأنه في المرة الماضية، كان لدى التجار مخزون، فأخرجوه وعرضوه للبيع، وإن كانت الأسعار عالية، لكن المواد الغذائية الرئيسة كانت نوعًا ما متوافرة، وعندما فُكّ الحصار الأول، لم يكن لدينا ولدى أصحاب المحال المُتّسع من الوقت والمال لإدخال وتخزين بضائع جديدة، ولم يكن لدى الجميع أي توقّع بأن الحصار سيتكرّر بهذه السرعة”.

ترتفع أسعار المواد الغذائية -يومًا تلو الآخر- مع اقتراب نفاد المواد الأولية، حيث وصل سعر كيلو الرز إلى 10 آلاف ليرة سوريّة، بينما وصل سعر كيلو السكر إلى 8 آلاف، وربطة الخبر، إن توفرت، يتجاوز سعرها الـ 400 ليرة سوريّة.

بعض الناشطين في المدينة أكدوا لـ (جيرون) أن الأهالي كانوا يستفيدون من الطحين الذي خزنوه في صنع الخبز، ولكنه نفد، كما أكد الحلبي أن هناك “سوءًا في توزيع المواد الإغاثية؛ إذ توجد مستودعات مليئة بالمواد التموينية، ولكنها مُغلقة، وإن فُتحت فلا توزَّع ما في داخلها بعدل ودراسة، وغالبًا ما توزَّع كميات قليلة جدًا لا تسدّ الرمق”.

وأردف قائلًا: “كذلك قلّت المحروقات، فلا يوجد بنزين ولا مازوت إلا بصعوبة، والكهرباء تأتي ساعتين في اليوم، أما المياه؛ فمقطوعة -تمامًا- منذ أسبوعين، حيث استُهدف خط المياه بإحدى الضربات الجوية، ولا توجد أدوات لإصلاحه في الوقت الراهن”.

الوضع الطبي حرج جدًا

أكّدت المنظمات الطبيّة والإغاثيّة أن الوضع الطبي في حلب بات في أسوأ حالاته، فخلال أسبوعين، خرجت أربعة مستشفيات عن الخدمة، ولم يتبقَ سوى ثلاثة غير مختصة، وهي مُعرّضة للقصف أيضًا. وفي هذا السياق، قال الحلبي: “وبسبب نقص الأطباء من ذوي الاختصاص، يُبتر مكان الإصابة، سواء كان اليد أو الساق، خشية امتداد الالتهاب إلى الجسم بأكمله، أما الإصابات في الأحشاء؛ فلا يمكن إنقاذ من أُصيب بها، إلا بعملٍ جراحي، وهو على الأرجح غير متوافر، وأصحابها يستشهدون إما مباشرة، أو بعد عدة أيام من الوجع والعذاب، كما تتناقص سيارات الإسعاف يومًا بعد يوم، وتتعرّض للقصف اليومي؛ فيخرج قسم منها عن الخدمة والقسم الآخر يتحطّم، كذلك تعرضت ثلاثة مراكز للدفاع المدني للقصف، وتناقصت أدوات العاملين في الفرق، وخلال أسبوع، ستنتهي المحروقات لديهم، وبذلك لن يستطيعوا تشغيل الآليات الثقيلة التي تحمل الردم وتنقله؛ ليتمكّنوا -بعد ذلك- من انتشال الجثث والأشلاء”.

ونوّه إلى أنه “على الرغم من كل هذا التقهقر، فإن الأوضاع المعنوية للأهالي لا تزال جيّدة، وأحاديثهم عن توحّد الفصائل وفكّ الحصار تصدح من الحناجر”.

الإعلاميون أيضًا يعانون

يعاني الناشطون الإعلاميون أوضاعًا صعبة جدًا أيضًا، ومعروف أنه تقع على عواتقهم مهماتٌ جسام، كتوصيل صورة الإجرام اليومي بحق المدنيين العزّل، ويجابهون الموت في كل لحظة، ولا سيما في أثناء تصويرهم القصف؛ ما يُعرّض حياتهم للخطر اليومي، وبحسب الحلبي “غالبًا ما تكون هناك ضربة أخرى بعد الضربة الأولى؛ لقتل أكبر عدد من الناس المتجمعيّن والمُسعفين، ونحن كناشطين مدنيين وإعلاميين نكون من بينهم”.

يعاني كذلك الإعلاميون من مشكلة أساسية هي خوف الناس من التجمّع، وإبعادهم للصحافيين  والمصوّرين عن مكان القصف، وفي هذا المعنى، قال الحلبي: “يمنعنا المدنيون -في كثير من الأحيان- من التصوير، وأحيانًا نتلقى شتائم، وتُرفع الأسلحة في وجوهنا، بعضهم لديه حجج مقبولة؛ فيكون لهم شهداء أو أقارب تحت الأنقاض، ونقل مثل هذه الصور يكون قاسيًا ومُفجعًا عليهم، فنبتعد ونتجنّب التصوير، ونراعي أخلاقيات المهنة، مع إدراكنا الداخلي أهمية نقل مثل هذه المشاهد الكارثية، وفي المقابل هناك أشخاص يخافون من عملية التصوير، دون أسباب منطقية، ويعدّون أن الطيران سيقصف مرة أخرى في المكان نفسه، ليقتل الإعلاميين أيضًا”.

المشكلة الأخيرة التي تواجه الإعلاميين هي “حدوث خلاف بينهم وبين بعض العسكريين، فالعسكريون يعدّون نقل الصور والمعلومات تخدم قوات النظام وروسيا، وتُسهّل استهدافهم للنقاط العسكرية المفصلية، وخصوصًا إذا كان التصوير على الجبهات”، بحسب الحلبي، الذي نبّه إلى وجود تكتم إعلامي كبير في اليومين الأخيرين؛ بسبب عجز الناشطين الإعلاميين عن التحرك براحتهم ونقل الصور.

وتبقى المأساة مُرشّحة للزيادة، والخوف من نفاذ الأغذية يؤرق الجميع، واستهداف الناشطين الإعلاميين يهدد بوقف نقل صور المأساة داخل حلب، لكن ما يدعو للتفاؤل أن الغالبية العظمى تؤكد ثباتها ورفضها الاستسلام للنظام، ويقولون إنهم سيتدبرون وسائل جديدة مُبتكرة؛ لفك الحصار وإدخال الأغذية من أجل لأكثر من مئة ألف طفل محاصر في حلب الشرقية.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق