مقالات الرأي

بشار الأسد: سورية للمعارضة المسلحة وليست للسياسية

للمرة الأولى ربما، يدفعني الفضول (كي لا أقول الإحباط) لمشاهدة مقابلة كاملة مع بشار الأسد؛ المقابلة المتلفزة أجرتها صحيفة “كومسومولسكايا برافدا” الروسية. الصحافية التي أجرت اللقاء فاجأتني أكثر من بشار الأسد نفسه. بدت وكأنها في مهمّة رسمية عسكرية أكثر منها مهمة إعلامية؛ فمعظم أسئلتها كانت احتجاجية على سياسة الأسد وطريقة تعامله مع “الحرب”، وهو الذي اعتاد على الحديث -بتعالٍ مُغمّس بالسذاجة- مع الإعلاميين الأميركيين أو البريطانيين أو الفرنسيين، راح يجيب عن أسئلتها بنبرة مُتّهم يستجدي براءته. لم تكتفِ الصحافية بطرح أسئلتها بلهجة لا تخلو من التوبيخ، بل راحت ترمي عليه المواعظ متكئة على تجربة بلادها في الحرب.

 

بدا الأمر وكأن روسيا “الدولة العظمى”، كما سمّاها بشار الأسد في مقابلته تلك، أكثر من مرة، ترمي إلى إيصال رسائل معينة له، ولنظامه. وما يدعو للسخرية أن تحمّل الصحافية تلك الرسائل، بدلًا من أن يقوم بالمهمة مسؤول رفيع، إلا أن المسؤول الرفيع، لو توكّل إيصال الرسالة، ستبقى قيد الكتمان. أما وقد سلّمته الرسالة صحافية في لقاء تلفزيوني، فسيكون من الصعب حجبها عن السوريين، أينما كانوا، وبغض النظر عن انتماءاتهم السياسة. والرسالة، إذ تصله في لقاء تلفزيوني، تنطوي على رسالة أخرى! واحدة، قالتها الصحافية في أسئلتها التوبيخية، ذات النبرة العالية والمتعالية، وأخرى، في الطريقة العلنية التي اختارتها روسيا لإيصال الرسالة.

 

ليس هناك أوضح مما قالته الصحافية صارخة، تكاد، “عندما أمشي في شوارع دمشق، وأرى كثيرًا من الشباب في المقاهي، يحتسون القهوة، أو خارجين من نوادي الرياضة، بعضلاتهم المفتولة، أتساءل: من هؤلاء الشباب؟ لماذا ليسوا على جبهات القتال؟ ماذا يفعلون هنا؟ أرسلوهم إلى جبهات القتال!”. مذيعة تأمر “رئيسًا” بإرسال شبابه وشبّيحته والموالين له إلى جبهات القتال، وحرمانهم من قهوة الصباح، ومن ممارسة هواية تكديس العضلات وشدّها وفتلها. لم تسأله لماذا لا يرسلهم إلى الجبهة، بل قالت له بنبرة آمرة: أرسلهم. وقد يكون فعل الأمر هذا بديهيًا! إذ أن روسيا تُقاتل مع النظام بكل ما تملك من قوة، إيران تقاتل أيضًا بعدّتها وعتادها، “حزب الله” يضحّي بشبابه، الجيش النظامي يستخدمونه وقودًا رخيصًا؛ حتى ليخيّل للمراقب أنهم قد يحشون البراميل المتفجرة بأجساد أفراد منه، إن لم تتوافر لديهم مواد مشتعلة، بينما تَلمح الصحافية الروسية شبيحة النظام، جالسين في المقاهي والبارات، وخارجين من نوادي الرياضة، ويعيشون في عالم منفصل عن الواقع! وهي من دون أن تقولها بشكل مباشر، ترمي إلى أبناء المسؤولين السوريين الذين اكتفوا -حتى الآن- بحرب إعلامية رخيصة، يقودونها من المقاهي والمطاعم على صفحات التواصل الاجتماعي. بالفعل، لماذا لا يدعون أبناءهم يشاركون في المعارك “العادلة” و”المحقة” ضد “الإرهابيين”، إن كنّا نعيش حربًا طاحنة تُهدّد منطقة بأكملها، كما يكرّر ويعيد ويشرح بشار الأسد؟ حسن نصر الله الذي يُقاتل اليوم ضد الشعب السوري، قال مرة: “إننا في حزب الله لا نُوفّر أولادنا للمستقبل، نفخر بأولادنا عندما يذهبون إلى الخطوط الأمامية، ونرفع رؤوسنا عاليًا بأولادنا عندما يسقطون شهداء”.

 

فليقدّموا أولادهم شهداء لوطن يتمسّكون به حتى آخر سنّي!

ثم تقول الصحافية صارخة أيضًا: “لا أفهم لماذا لا تقومون بتعبئة عامة، كما فعلنا في الحرب الوطنية، حيث أرسلنا جميع الرجال إلى الجبهة؟”. طبعًا، لا تصعب على المرء معرفة الإجابة، ولا داعٍ لمشاهدة اللقاء لمعرفتها. “علينا بداية، تفسير التعبئة الجزئية”!

لم تكتف المذيعة بالتعبير عن إحباطها من مشهد الشباب في المقاهي، بل ذهبت حدّ الاحتجاج على الأداء الإعلامي للتلفزيون الرسمي، مع أنها لا تفهم العربية! قالت: إن المشاهد أمامها على التلفاز لا تشي بأن البلاد تعيش حربًا طاحنة! قالت: إن أصوات التفجيرات والقذائف لا تُسمع من المحطة الرسمية؛ لأن برامجها مشغولة بالطفولة والرياضة أكثر من انشغالها بالحرب. “لا تعجبني الصورة التي تروّجون لها لحياة سلمية”! هذا ما قالته بالحرف. “لا يعجبني”.

 

“في الحرب التي عشناها كانت المدن خالية من الرجال، ولا تحتوي إلا على النساء! هنالك بعض الأطباء بالتأكيد، لكن باقي الرجال رحلوا إلى جبهات القتال”. جملتها تلك “أعجبتني” بالقدر الذي “لم يعجبها” أداء التلفزيون الرسمي؛ لأن الواقع الذي تتحدث عنه في حربهم، ينطبق في سورية على المناطق المحاصرة والمعارِضة التي شهدت تمرّدًا وفعل مقاومة وحدها! هناك فحسب، ذهب الرجال للقتال بكل ما يملكون من أسلحة أو صدور مفتوحة، بينما بقيت النساء وحيدات، وفي جملتها تلك اعتراف غير مقصود -بالطبع- بشرعية الثورة، وبشرعية عمل الفصائل المسلحة التي تُحارب -بكل قوتها- مقابل جلوس أبناء المسؤولين وأحفادهم في المقاهي ونوادي الرياضة، وألحقت جملتها -تلك- بأخرى تتفاءل بمستقبل الثورة أيضًا، دون قصد: “لم نكن لنكسب المعركة لو لم نرسل جميع رجالنا إلى الجبهة! والدي ترك دراسته في سن الرابعة عشرة، والتحق بأحد المصانع لتصنيع القنابل! وكان هذا أمرًا بديهيًا بالنسبة إليه وأشقائه الأربعة”. ما معناه أن الثورة وحدها ستنتصر بإرادة الشعب السوري الذي يُقاتل بوسائل شتى، بينما سيكون مصير معركة النظام الفشل، وهي تخاض من المقاهي ونوادي الرياضة.

وفي جوابه عن سؤالها حول المعارضة الوطنية، فسّر لها بداية ما تعنيه كلمة “معارضة”، ثم قال: إن أطرافًا مُعارضة وطنية كثيرة موجودة وحاضرة للتفاوض، وإن أحزابًا أنشئت أيضًا. طلبت منه في معرض “التحقيق الأمني” أن يذكر لها بعض أسماء تلك الشخصيات والأحزاب، فقال لها إنه لا يحتفظ في ذاكرته بها، لكنّه سيزوّدها بقائمة بتلك الأسماء! حتى ليُخيّل للمشاهد أن القائمة تطول وتطول، ولا تتسع لها ورقة واحدة! كرّر فعل التزويد ثلاث مرات، ليغذي مخيّلتنا عن أن اللقاء ليس إعلاميًا بالفعل، بل أشبه بالتحقيق الأمني؛ فنتخيّله ينهض عن كرسيه بعد انتهاء اللقاء، ويتوجّه إلى درج مكتبه؛ ليخرج القائمة والكاميرات ما تزال تعمل لتوثيق الأمر.

 

في الجزء الأخير من اللقاء، تقول الصحافية: إنها لم ترَ حتى الآن مُعارضة غير مسلّحة: “مع من تتفاوضون إذن؟” فجاء جوابه ليكرّس أيضاً (من شدة الارتباك ربما) شرعية الفصائل المسلّحة المقاومة على الأرض. قال: إن المعارضة السياسة، وطنية كانت أم مأجورة لصالح أجندات أجنبية، لا ينفع التفاوض معها، لأنها غير فاعلة على الأرض وغير مؤثرة.

 

انتهى اللقاء. البقاء لمن يُقاتل على الأرض، ويدفع ثمن حريته وحرية الشعب السوري، وليس لمن يجلس في المقهى أكان في سورية أو في الخارج.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق