قضايا المجتمع

أعداء الطب والإنسانية

لم يكتف النظام السوري بهذا القدر فحسب، بل كثّف خلال الفترة الأخيرة، هو وحلفاؤه الروس، من استهداف المستشفيات والمراكز الطبية والمخابر ومصانع الأدوية البسيطة، والعاملين في المجال الطبي، بل ووصل انتقامه إلى تدمير المراكز الصحية الصغيرة المتوزعة في القرى والبلدات الهامشية؛ ليحرم السوريين من إمكانية العلاج، طالما أنهم خارجون عن طاعته، فكانت الحصيلة مأسوية، هددت الحياة في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، وستؤثر على القطاع الصحي لعقود مقبلة.

اتهمت منظمات دولية عديدة النظام السوري وروسيا بمحاولة (إبادة) المشافي في سورية، وقالت إن هذا التدمير يأتي ضمن استراتيجية منهجية مُسبقة، مبرمجة عسكريًا، تعتمدها تلك القوات، ووثقت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان 373 هجومًا على المنشآت الطبية، أدت إلى مقتل 750 من العاملين فيها. فيما أعلنت منظمة الصحة العالمية عن دمار 60 بالمئة من مستشفيات سورية، وخروج نصف المنشآت الصحية من الخدمة.

منهج متعمد ومدروس

من جهته قال د. مأمون سيد عيسى، المتابع للشأن الصحي السوري في مخيمات اللجوء في الداخل، لـ (جيرون): إن “معظم جرائم النظام السوري وحلفائه في المناطق الخارجة عن سيطرته هي جرائم استهداف للمنشآت الطبية، وتتركز في محافظة حلب وإدلب”، وأضاف: “وجدنا خلال توثيقنا للانتهاكات أن القصف  والتدمير والاستهداف ممنهج ومتواتر، ووفق أرقامنا ومتابعاتنا، وجدنا أن النظام وحلفاءه الروس والإيرانيين، يستهدفون ما مُعدّله منشاة طبية واحدة يوميًا، وعند دراسة الآثار والنتائج الحاصلة عن القصف المتعمد لهذه المنشآت الطبية وخاصة المستشفيات والمراكز الصحية، سيتبيّن مدى الكارثة الحاصلة نتيجة هذا الاستهداف”.

وكانت منظمة أطباء بلا حدود، قد أعلنت أن العام 2015 هو العام الأكثر دموية، بالنسبة لقطاع الصحة في سورية، بعد أن تم تسجيل 12 هجومًا على المرافق الطبية، لكن في الحقيقة، كان العام 2016 أكثر دموية من سابقه، حيث أكّد أن قصف المراكز الطبية والمستشفيات وسيارات الإسعاف، واستهداف الأطباء والكوادر الطبية المساعدة والمرضى، هو نهج سوري – روسي ثابت وواضح ومدروس.

يواجه القطاع الطبي صعوبات مختلفة ومتشابكة، ففضلًا عن القصف والاستهداف المتواصل والمتعمد، هناك مشكلات لوجسيتة ومالية غاية في الصعوبة، وقال د. رائف بداري، أحد الكوادر الطبية التي مازالت تعمل داخل سورية في مناطق سيطرة المعارضة، لـ (جيرون): “هناك نقص حاد في تأمين التمويل اللازم لتأمين المعدات الطبية الأساسية، بما فيها من أجهزة وسيارات إسعاف ومعدات العمليات الجراحية ووحدات العناية المشددة، والمختبرات، وأجهزة التصوير الشعاعي، وصولًا إلى الأدوية بأنواعها، واللقاحات والمطهرات والمضادات الحيوية، وتأتي بعدها صعوبات شراء هذه المعدات والأدوية وإيصالها إلى المناطق التي تحتاجها، خاصة أن بعض هذه المناطق محاصرة، أو شبه محاصرة من قوات النظام، وتليها مشكلة ضمان أمن الأطباء والمرضى، من خلال البحث عن أبنية لها طوابق تحت الأرض، يمكن أن تحمي من القصف الجوي، إضافة إلى هذا، تضاف مشكلة أخرى وهي صعوبة نقل المرضى الذين يحتاجون لعمليات معقدة لا تتوفر في المستشفيات الميدانية أو البسيطة التي تم إنشائها”.

خارج الخدمة لإشعار آخر

ومن الأهداف الطبية التي استهدفها سلاح الجو الروسي والسوري، والمدفعية والأسلحة الثقيلة الأخرى، في حلب وحدها، مستودعات مديرية صحة حلب الحرة، وبنك الدم المركزي، معهد التمريض، مستودعات الأدوية، معامل لصناعة الأدوية، مباني مديريات الصحة، مركز الثلاسيميا، عدة مخابر تحليل، مراكز تصوير شعاعي، المعهد الطبي الأكاديمي، مراكز الرعاية الصحية الأولية، والعديد من سيارات الإسعاف.

كما استهدف الروس والنظام السوري بالقصف والبراميل المتفجرة والصواريخ العديد من المستشفيات، خرجت غالبيتها العظمى من الخدمة، أو دُمّرت كلّيًا، منها مستشفى ثورة الكرامة بحلب، ومستشفى عمر بن عبد العزيز، ومستشفى الدقاق، ومستشفى النسائية التخصصي، ومستوصف الصاخور، ومستشفى الأتارب، ومستشفى الأطفال التخصصي، ومستشفى البيان الجراحي، ومستوصف السكري، ومستشفى عندان الجراحي، ومستشفى نور الهدى- الحور الجراحي، مركز الطبابة الشرعية، مستشفى م2، مستشفى الزهراء، العيادة المتنقلة الإحسان الخيرية، مستشفى الصاخور، مستشفى الأطفال والنسائية، مستشفى جسر الشغور، مستشفى الشفاء، مستشفى التوليد كفرتخاريم، مستشفى سرمين، مستشفى الأمل ملس، والعديد من المراكز الصحية والمستشفيات الميدانية الصغيرة.

من جهته قال سامي وردة، العامل بالمجال الإغاثي الطبي في تركيا: “تقوم بعض المنظمات الدولية بتأمين المعدات والمال اللازم للأدوية والحاجات الضرورية، وتساندها مؤسسات سورية إغاثية، بعضها يتبع للمعارضة، وبعضها يعمل بشكل مستقل، كما تتبرع جمعيات خيرية، إسلامية وإنسانية، بمبالغ مالية للإسهام في حل جزء من مشكلات القطاع الصحي، ويتنازل أطباء عن أجورهم، ويعملون بالمجان كليًا، لكن كل تلك المساعدات والدعم والجهد لا تُغطّي 20 بالمئة من الحاجة الحقيقية للسوريين في مناطق المعارضة”.

أمل إبليس بالجنة

وأعلنت الأمم المتحدة أن الوضع الصحي يواصل تدهوره في سورية مع تدمير المستشفيات، وندرة الأطباء والنقص في الأدوية، وأشارت في أحد تقاريرها الأخيرة إلى أن نحو 60 بالمئة من المستشفيات العامة، و34 بالمئة من المراكز الصحية العامة، و70 بالمئة من مصانع الأدوية، و92 بالمئة من سيارات الإسعاف تأثرت بالحرب، ولم يبق في حلب وضواحيها سوى 36 طبيبًا فقط، يعملون مقابل خمسة آلاف قبل الحرب، وتقول المعارضة السورية: إن 80 بالمئة من مستشفيات حلب خرجت من الخدمة.

تؤكد المعارضة السورية والسكان، أن الطيران الروسي والسوري لا يستهدف المستشفيات والمراكز الطبية والعاملين في هذا القطاع فحسب، بل يطال الاستهداف طواقم الدفاع المدني وفرق الإسعاف، ومراكز توليد الكهرباء كذلك؛ لقطع الكهرباء عن المستشفيات الميدانية المختبئة، وأنابيب نقل المياه، كل ذلك من أجل إنهاء أي فرصة للسكان بالحصول على أي شيء، يمكن أن يداوي جراحهم أو ينقذ حياتهم.

وبمنع النظام السوري شاحنات الإغاثة التابعة للجنة الدولية للصلب الأحمر، التي تنقل موادًا طبّية، ويقول السكان إن النظام يوزّع 20$ على الموالين له، وينهب الباقي، يبيعه في السوق السوداء عبر أقنية تابعة له ومن الموالين له.

يقول سيد عيسى: “إن هذا الوضع يستدعي تدخل الدول الصديقة، وهيئات الأمم المتحدة، والهيئات الطبية في العالم، لوقف هذه الكارثة التي تصل إلى مستوى جرائم الإبادة الجماعية يرتكبها النظام السوري وحلفاؤه، حيث يصاب يوميًا؛ نتيجة قصف المدن والقرى السورية في المناطق التي يسيطر عليها الثوار مئات الجرحى، وتًصاب هذه المناطق بالعجز”.

ولا يرفّ للنظام السوري وحلفائه جفن خلال استهدافهم للمرافق الصحية في مناطق المعارضة، لا يهمّه إن انتهت كل المستشفيات والمستوصفات التي تُقدم خدماتها للمواطنين المكلومين، وللأطفال وللنساء والمسنين المرضى والجرحى، ويجب مواجهتهم من المجتمع الدولي، ودقّ نواقيس الخطر في كل مكان، في محاولة شبه يائسة؛ لتحييد المنشآت الطبية، لكن يُخشى أن يكون الأمل المعقود على تحرك المجتمع الدولي في هذه القضية كأمل إبليس بالجنة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق