تحقيقات وتقارير سياسية

قدسيا والهامة: قصة نظام مجرم لا يرحم

لم تكن ساعات الصباح الأولى، أول أمس الخميس، كغيرها على المدنيين والمقاتلين في بلدتي: قدسيا والهامة من ريف دمشق؛ إذ لم تقصفهم الطائرات، ولم يسقط في صفوفهم قتلى وجرحى، لم يروا الموت الذي اعتادوه، بل شعروا بموت جديد ساقهم إليه نظام الأسد، من خلال إجبارهم على ترك مناطقهم والخروج بثيابهم من البلدتين، إن كانوا يريدون بعض حياة.

وحول هذا التهجير القسري، قال عامر، الناشط المدني في قدسيا، لـ (جيرون): “نحو ألفي مدني ومقاتل في قدسيا والهامة كانوا يحملون أمتعتهم، ويتحضّرون للخروج من البلدتين تجاه الشمال السوري، وفقًا للاتفاق الذي أجبر نظام الأسد المدنيين على إبرامه بعد أن قصفهم بكل أنواع المتفجرات، وكانوا قد طلبوا صباح الخميس من النظام أن يتم تأجيل الرحيل إلى يوم السبت؛ لأن كثيرًا من العائلات لم تكن مُتهيّئة بشكل كامل، إلا أن النظام رفض طلبهم، مؤكدًا أنه لن ينتظر أكثر، وأن على المدنيين الخروج اليوم دون نقاش”.

لعل ما نُشر على شبكات التواصل الاجتماعي من فيديوهات تُظهر المدنيين، وهم يتحدثون عن الوجع الذي يعتريهم في أثناء الخروج، يؤكد أن الحال ليس خيارًا اتخذه المدنيون، بل سِيقت إليه أقلامهم وحناجرهم.

 

مفاوضات مع الروس يستولي عليها النظام

بدأت المفاوضات بين مدينة قدسيا ونظام الأسد على أساس التوصل إلى وقف إطلاق نار بين الجيش السوري الحر وقوات نظام الأسد، إلا أن التقدّم الذي استغله النظام باستخدام ترسانته العسكرية الدموية بكل ما فيها من حقد وإجرام، جعل من المدنيين الحلقة الأضعف، وجعل مقاتلي المعارضة المسلحة يخضعون لاتفاق يخرجهم من المدينة، مقابل الحفاظ على أرواح المدنيين.

لكن ما بين المفاوضات الأولى والأخيرة، دخل الروس على الخط، وحاولوا أن يقفوا في الطرف الآخر (مكان الأسد)؛ ليصلوا مع المعارضة السورية إلى اتفاق من نوع آخر، يحفظ أرواح المدنيين، ويستخدم المعارضة المسلحة لصالحه.

ويقول سامي، وهو مُطّلع على سير التفاوض: “ضغطُ المدنيين على الجيش السوري الحر، والخوف على الأطفال، هو الذي دفع المقاتلين إلى الدخول في مفاوضات، وما نشره الناشطون من فيديوهات، وقالوا إنها للمدنيين يطالبون بالاتفاق مع النظام عارية عن الصحة، الناس كانوا يُطالبون بوقف الدم، وهي رسائل كانت موجهة إلى الأمم المتحدة، وليس الغرض منها أن يقولوا: اتفقوا مع النظام”.

وأضاف: “لأن قدسيا هي مركز إيواء، وفيها كثير من المدنيين الأصليين، وآخرين هربوا من قصف النظام في مناطق أخرى، إضافة إلى موقعها الجغرافي الحساس بالنسبة للنظام، فإن الجيش الحر أدرك أن الأسد على استعداد أن يبيد المدينة ولا يترك فيها بندقية تهدده. والمقاتلون لا يهابون الموت، لكن أرواح المدنيين كانت غايتهم حينما قرروا التفاوض مع النظام”.

وأكد أن الوفد المفاوض من قدسيا والهامة، كان قد جالس الروس أولًا، ودرس معهم بنود اتفاق، التي كانت مختلفة عن البنود التي طالب بها النظام، موضحًا أن هدف الروس من خلال الاتفاق هو استخدام المعارضة لصالحهم، أما غاية النظام من الاتفاق، فكانت إخراج المقاتلين إلى إدلب والسيطرة على المدينة.

وتابع: “اجتمعنا مع أكثر من وفد روسي، وخلال الجلسات قدموا لنا عرضًا كالتالي: القصف يتوقف، وتفتح كل الطرق إلى البلدات، وكل الناس تكون آمنة، حاجات الناس تصلهم كلها، لكن مقابل ذلك، على الجيش السوري الحر الخروج من المدينة والذهاب لمحاربة داعش في الرقة”، وأضاف: “استولى النظام على العملية التفاوضية، ولم نعد نرى الروس، وأصبح التفاوض مع قياديين في الحرس الجمهوري، الذين نسفوا كل ما تم بيننا وبين الروس، وبدؤوا يضعون شروطهم فحسب، ويهددون بأن الرفض يعني أن المدينة ستصبح مستهدفة منهم بكل من فيها”.

ويقول أكثر من مصدر، استطلعت (جيرون) آراءهم، أن النظام “حاول جاهدًا ألا يُدخل أحد في اتفاقه مع أهالي قدسيا والهامة؛ حتى أنه رفض أن تدخل الأمم المتحدة طرفًا وسيطًا في عملية التفاوض التي كانت تجري”.

 

النظام يرفض إشراف الأمم المتحدة

وحول محاولة الأهالي وضع الأمم المتحدة بصورة ما يجري، قال (عماد)، وهو أحد الذين تواصلوا مع المنظمة الدولية حول ما يخص قدسيا، لـ (جيرون): “تواصلت مع مكتب المبعوث الأممي إلى سورية، مباشرة، لاطلاعه على ما يجري في المدينة، ولكي يتم إدخال الأمم المتحدة كشاهد على عملية التهجير، فضلًا عن أن مخاوف المدنيين من بطش النظام؛ جعلنا نطلع الأمم المتحدة على كل التفاصيل، وأردنا أن تضمن لنا خروجًا آمنًا دون موت، وكان طرف من الائتلاف وسيطنا مع الأمم المتحدة، يُطلعها على كل التطورات، ويُرسل لها كل الرسائل التي نريد أن نوصلها إلى الأمم المتحدة، لكن الأمم المتحدة رفضت التدخل في الموضوع، بوصفه تهجيرًا قسريًا، وهي لا تشارك فيه”.

وأكد على أنه “عندما تم إخبار النظام بأن تكون عملية الترحيل بإشراف الأمم المتحدة، رفض الموضوع رفضًا تامًا، وأكد لنا أن العملية تتم عن طريقه هو، دون تدخل أي طرف، وبشروطه هو”، موضحًا أن النظام “كان يُعتم على العملية، ولا يريد لأحد أن يعلم بتفاصيلها، كان يخشى أن يتم تسليط الضوء عليها وسط كل هذه الإدانات له بأنه يُهجر السوريين من مدنهم”.

وتم -بالنتيجة- الاتفاق على تهجير السوريين من بيوتهم وأراضيهم، واجتمعوا صبيحة الخميس، بعضهم كان رافضًا لكل العملية التفاوضية، وبعضهم كان همه أن يتخلص من كابوس القصف والدم والموت، في حين كان بعضهم الآخر متذمرًا من الأطراف جميعها، ولا يريد سوى الخلاص.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق