هموم ثقافية

جائزة نوبل حين تُرفَض!

“ليس الأمر نفسه لو أني وقَّعتُ جان بول سارتر أو وقّعتُ جان بول سارتر، حامل جائزة نوبل”.

على هذا النحو فسّر سارتر رفضه لأشهر جائزة في العالم قررت لجنتها منحها له عام 1964، والتي باتت اليوم أكثر هذه الجوائز إثارة للجدل في عالمنا العربي، منذ أن تمَّ منحها لأول مرة في تاريخها لكاتب عربي، نجيب محفوظ، عام 1988، بعد أن منحتها، كذلك للمرة الأولى، لسياسي عربي، أنور السادات، عام 1978 بعد زيارته الشهيرة لإسرائيل عام 1977.

ولابد لكاتب مثل سارتر، يدرك المعنى الأعمق والأشمل لمسؤولية الكاتب تجاه قرائه ولمفهومه عن مهمة الكاتب ودوره، حتى يرفض جائزة لم يسبق على أهمية، وأحيانًا عبقرية من منحت لهم من قبله، أن رفضها أحد منهم. إذ أنه اختار منذ البداية أن يكون كاتبًا بالمعنى الذي يفهمه والذي رفض -على أساسه- كلَّ ضروب التكريم التي أراد أصدقاؤه أو المعجبون بمنجزاته إحاطته بها، من وسام جوقة الشرف الذي اقترح عليه ورفضه، إلى إمكان تعيينه أستاذًا في الكوليج دو فرانس.  إذ لا يجب في نظره على الكاتب الذي يتخذ مواقف سياسية أو اجتماعية أو أدبية أن يعمل إلا اعتمادًا على الوسائل الخاصة به، أي الكلمة المكتوبة. ذلك أن كل ضروب التكريم التي يمكن أن يتلقاها تعرِّضُ قراءَهُ إلى ضغط لا أحسبه مرغوبًا فيه.”

لم يسبق أن عرف تاريخ الأدب والفكر كاتبًا حدد طبيعة هذا الفصل الذي وضعه سارتر بين الكاتب بوصفه إنسانًا حرًا، له وسائله وقوانينه التي لا يخضع إلا لها، وبين كاتب لا يدقق كثيرًا -وهو يحترف مهنة الكتابة- في، أو لا يهمه أن ما يكتبه يمكن أن يكون لصالح أو باسم هذه المؤسسة أو تلك، رسمية كانت أم خاصة.

لا يعني القول هنا رفضًا لجائزة نوبل أو لمفهوم الجائزة في ذاته بصورة مطلقة، لكن ما كانت جائزة نوبل تثيره من إشكال -وقت منحها لسارتر- لا تزال تثير ما يشبهه اليوم، بعد منحها قبل سنوات لرئيس أمريكي أعلن نواياه في السلام أو لرئيس كولومبي وقع لتوه اتفاق سلام مع الثوار.

لا تمنح جائزة نوبل باسم الغرب كما كانت تمنح مثلًا في القرن الماضي جائزة لينين باسم الكتلة الاشتراكية. سوى أنها تصيرُ، مع ذلك، ما يُصنعُ بها أو ما تصيره بفعل أحداث لا قبل لأعضاء أكاديميتها بالسيطرة عليها. ففي حقبة منحها لسارتر، أي مع بدايات النصف الثاني من القرن الماضي، حين كانت المعركة الوحيدة الممكنة في رأي سارتر على جبهة الثقافة هي معركة التعايش السلمي بين ثقافتي الشرق والغرب، أي الشرق الاشتراكي والغرب البورجوازي، وهي معركة كان لابد لها -بالضرورة- من أن تتخذ شكل صراع يقوم بين البشر وبين الثقافات من دون تدخل المؤسسات. في تلك الحقبة، بدت جائزة نوبل -كما يقول سارتر- “موضوعيًا، مخصصة لكتاب الغرب ولمتمردي الشرق (الكتلة الاشتراكية). فلم تُمنَح مثلًا لأراغون أحد كبار شعراء القرن العشرين في حين منحت لباسترناك على مُبدَع نشر خارج بلده. وكان سارتر قد نوَّهَ حينئذ عن عدم منح بابلو نيرودا الجائزة وهو أحد كبار شعراء أمريكا اللاتينية، الأمر الذي صححته لجنة الجائزة بمنحه الجائزة بعد هذا التنويه بسبع سنوات، عام 1971 وقبل وفاته بسنتين!

ذلك كله يشير بوضوح إلى أن معايير إضافية، تختلف من حقبة إلى أخرى أو من دائرة ثقافية إلى أخرى، كانت تُعتمَدُ إلى جانب (دون أن تحلَّ محلَّ) المعايير الأدبية الصارمة الخاصة بمنح الجائزة وتتدخل من وقت لآخر، وبصورة أو بأخرى، في تحديد من تُمنَح له. فإلى أي مدى، حين يتعلق الأمر بالعالم العربي، تدخلت أو يمكن أن تتدخل مثل هذه المعايير الاستثنائية وغير المحددة رسميًا ويتم تخمينها موسميًا وعلى نحو واسع في مختلف البلدان العربية ولاسيما منذ أن منح نجيب محفوظ الجائزة عام 1988 وتعطي الأولوية المطلقة إلى علاقة الحاصل من العرب على الجائزة الإيجابية مع إسرائيل؟

الواقع أن منح بعض الزعماء السياسيين العرب هذه الجائزة هو الذي يحمل على هذا التخمين ويتيح الفرصة للشك في وجود ما نسميه هنا “المعايير الإضافية”. فهو يشير بوضوح إلى العلاقة بين منحها، بسبب طبيعة علاقة كل منهم، ومواقفه من إسرائيل: أنور السادات بعد زيارته لها عام 1977 (نوبل السلام 1978)، وياسر عرفات بعد توقيعه عام 1993 اتفاقية أوسلو (نوبل السلام 1994) وأحمد زويل بعد حصوله عام 1993 على جائزة وولف الإسرائيلية (نوبل الكيمياء 1999). ولهذا فسر البعض أن منح نجيب محفوظ (نوبل الآداب 1988) ما كان ليتم لولا تأييده سياسة السادات وتوقيعه عام 1979 اتفاقية كامب دافيد.

لكن هذا التفسير لا يمكن أن يصح -تمامًا- في حالة محمد البرادعي الذي حصل عليها عام 2005 (نوبل السلام) أثناء إدارته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا في حالة توكل كرمان، الناشطة اليمنية التي حصلت على الجائزة عام 2011 (نوبل السلام).  من الواضح أن الإعلام الجاد لم يلجأ إلى أي ربط بين منحهما الجائزة وبين علاقة ما لأحدهما مع إسرائيل؛ ومن الأرجح -على كل حال- أن أحدًا منهما لم يتخذ مواقف عدائية صريحة من إسرائيل أو من سياستها، هذا رغم أن المواقع الإعلامية المناهضة لهما، مع ذلك، لم تتردد في ربط شديد الغموض -والحق يقال- بين منح الجائزة لكل منهما وعلاقتهما بالمؤسسات الدولية ذات المنحى الصهيوني أو الخاضعة لتأثيره.

على غرار سارتر في مجال الآداب، كان الوحيد الذي رفض هذه الجائزة في مجال السلام من السياسيين فان دين كاي (أو: لي دوك تو)، العسكري والدبلوماسي الذي وقع اتفاقية وقف القتال إثر محادثات السلام مع الولايات المتحدة الأمريكية عام 1973، مفسِّرًا رفضه قائلًا: “لم يحلّ السلام فعليًا بعدُ”. كلاهما كان يقول في رفضه الجائزة مفهومه الخاص عن عمله وعن طبيعة هذا العمل.

يثير هذان الموقفان الصارمان في رفض جائزة نوبل مزيدًا من الشكوك حول بعض غاياتها، وهما أيضًا من يحملان على اعتبارها، في حالة منحها لعربي سياسيًا كان أم عالمًا أم أديبًا، موسومة بكثير من الشوائب التي تعتور صفاء مصداقيتها كجائزة عالمية حقًا، وتكاد تحيلها في أحيان كثيرة -رغم معاييرها الصارمة في مختلف المجالات التي تمنح فيها- إلى ثمن رخيص لموقف سياسي كان من قبل يتجسد في موقف التمرد على النظم الشيوعية في الكتلة الاشتراكية، ويتجسد اليوم، بالنسبة إلى العالم العربي على الأقل، في الانتصار لإسرائيل أو في محاباتها.

ألا يعني هذا أننا سنبقى نطرح السؤال، على ضآلة احتمالات فوز كاتب عربي آخر بها، على المدى المنظور، حول علاقة الفائز بإسرائيل ومواقفه منها؟

وسؤال آخر في ضوء ذلك كله: ألا يجعلنا عدم فوز القبعات البيض السورية بهذه الجائزة نبتهج رغم أمل كثرة السوريين أن تفوز بها؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق