تحقيقات وتقارير سياسية

غزوات أم ثورة وطنية، الساحل وغزوة عاشوراء

أعلنت فصائل المعارضة في ريف اللاذقية الشمالي، عن توقف معركتها في تلك المنطقة، وذلك بعد يوم على انطلاقها، وبعد أن تقدمت بشكل جيد وسريع على عدة تلال في جبل الأكراد.

وكانت فصائل المعارضة قد أعلنت الإثنين الماضي، في 10 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، عن بدء معركة؛ للسيطرة على جبل الأكراد، أطلقت عليها اسم “غزوة عاشوراء”، وذكرت صفحة “اللاذقية الحدث” عن فصائل المعارضة، أنها استطاعت السيطرة على قرية وتلة رشا، وعلى كل من تلال الملك ونحشبا والدبابات والبركان والمقنص، ثم شنّت قوات النظام غارات جوية عنيفة على المواقع والجبهات كافة، ما اضطر قوات المعارضة إلى التراجع، وقد شارك في تلك المعركة كل من “حركة أحرار الشام، وفيلق الشام، وجبهة فتح الشام، والفرقة الساحلية الأولى، والحزب الإسلامي التركستاني، وجبهة أنصار الدين”.

إلى ذلك أشارت أنباء متقاطعة، إلى أن النظام خسر عددًا كبيرًا من عناصره والميليشيات الداعمة له بين قتيل وجريح، كما وقع عدد منهم في الأسر، وفي المقابل، أدّى القصف العنيف من قوات وطائرات النظام إلى خسارة المعارضة لعدد من مقاتليها.

وكانت قوات النظام قد سيطرت في نهاية العام الفائت، ومطلع العام الحالي، على مساحات كبيرة في جبلي الأكراد والتركمان، في الريف الشمالي والشمالي الشرقي من ريف اللاذقية، وذلك؛ بمساعدة الطيران الروسي الذي شن غارات عنيفة على تلك التلال؛ ما أدى إلى تراجع قوات المعارضة عن عدة نقاط مهمة كانت قد سيطرت عليها، منها بلدات سلمى وربيعة وكنسبا، كما أدى القصف المستمر والعنيف للطيران الروسي حينها، إلى مغادرة عدد كبير من الأهالي بيوتهم وبلداتهم، في حالة نزوح جماعي إلى الحدود السورية التركية.

يُذكر أن فصائل المعارضة خاضت معارك عنيفة أيضًا، ضد قوات النظام والميليشيات التابعة لها في كل من جبلي الأكراد والتركمان، وذلك في شهري آب/ أغسطس، وأيلول/ سبتمبر عام 2015، وتقدّمت إلى عدد من التلال الاستراتيجية، ثم بعد التدخل الروسي المباشر، في نهاية أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، تراجعت قوات المعارضة عن مناطق عدة، وفي شهر حزيران/ يونيو من العام الجاري، تم إطلاق معركة اليرموك؛ لاستعادة المناطق التي خسرتها، وخلال مرحلتين من مسيرة تلك المعركة، استطاعت الفصائل المقاتلة السيطرة على أكثر من 22 موقعًا وتلّة وقرية.

كانت معركة اليرموك حينها قد انطلقت بقوة وزخم كبيرين، واستطاعت الفصائل المقاتلة أن تفاجئ النظام، وتوقع في قواته خسائر كبيرة، والتف عدد كبير من السوريين حول الثوار في تلك المعركة، مترقبين ومتوقعين أنها ستلغي تفكير النظام في ما يسمى بـ “سورية المفيدة”، كذلك ستضيّق على الروس وجودهم في القواعد التي احتلوها في الساحل السوري، وخاصة باقتراب الثوار من مناطق حرجة بالنسبة للنظام، قد تشرف على مدينة جبلة، حيث أن تلك القاعدة ستصبح تحت مرمى صواريخ المعارضة، وتغيّر حسابات الروس في عدوانهم على سورية، وتخفف أيضًا الضغط العسكري عن بقية المناطق، وخاصة مدينة حلب، وكذلك ريف إدلب الذي كان يتعرض لقصف شديد، وهو الريف الداعم والمساند للثوار؛ بسبب قربه من تلك المنطقة في جبل الأكراد.

تراجع الحديث عن معركة اليرموك في الساحل، إلى أن صمتت نهائيًا، وتراجعت قوات المعارضة عن مواقعها تلك، وذلك على وقع غارات جوية عنيفة جدًا من الطيران الروسي، وباستعماله أسلحة وصواريخ شديدة الانفجار والأثر، كما أوردت وكالات الأنباء والمواقع الإخبارية السورية. كما أن هجوم النظام والميليشيات الطائفية على عدّة مناطق في حلب وريفها، جعل بعضًا من الفصائل المقاتلة في ريف اللاذقية، تُرسل عددًا من مقاتليها لدعم جبهات حلب، حيث النظام وروسيا قد وضعا ثقلًا كبيرًا في تلك المعارك.

معارك الساحل السوري، كما كل المعارك التي يخوضها الثوار في سورية، تعيش حالة مد وجزر، ولكن الحذر الذي يريد بعض السياسيين والمعلّقين بثه، عند اندلاع أي معركة في الساحل، على أن الأمور قد تأخذ منحًى طائفيًا، كان دائمًا الثوار يعلنون عكس ذلك، ولا شك في أن الأرض السورية واحدة، ولا يمكن تفريق مكان عن آخر، وطالما أن النظام هو من فرض القتال على شعبه، فإنه هو من يتحمل مسؤولية أي نتائج؛ إذ تخلى عن واجبه المُفترض، وأعلنها حربًا على شعبه؛ ليصبح عبارة عن ميليشيا ضمن تلك الميليشيات، ولا شك في أن الاحتلال الروسي لبعض المواقع السورية في الساحل، يُحتم على السوريين إعادة تقييم عملهم السياسي والعسكري والقانوني.

من الواضح أن أثر التوازنات الدولية على سير المعارك في كثير من المدن السورية، هي ما يعيق إكمال أي معركة، ومنها المعارك التي تُعلن بالساحل، منذ أن استطاع الثوار تحرير معبر كسب مع تركيا، والوصول إلى مياه البحر في آذار/ مارس 2014، ضمن معركة “الأنفال”، ثم تراجعهم عن ذلك، واستعادة النظام لها بعد نحو 85 يومًا من تحريرها، حيث عُدّ ذلك -حينئذ- نتيجة ضغوطات دولية، لكن معركة أو “غزوة عاشوراء” الأخيرة، لا يمكن الجزم إن كانت قد بدأت بفعل الثوار، وانتهت بسبب قصف النظام والطيران الروسي، أم بدأت وانتهت بقرار دول داعمة، كرسائل إلى الداخل السوري، فقد لا يستطيع أحد منا الإجابة الدقيقة عن ذلك التساؤل، ولكن طالما أن الفصائل المعارضة لم تسع بشكل جاد؛ لتشكيل جيش وطني سوري، بقيادة واحدة على الأرض السورية، ستبقى تلك المعارك المتنقلة تابعة لرغبات، إما فصائلية، أو دولية، لدول لها أهداف غير أهداف السوريين في تحقيق حريتهم، على الأقل الجيش الوطني، إن تشكل، ستصبح المعارك في سياق ثورة وطنية، وليس في سياق غزوات متنقلة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق