قضايا المجتمع

باحثون عن الحياة

واجه السوريون من أصحاب الإعاقات الدائمة في الأردن صعوبات عديدة، بدأت منذ خروجهم من سورية، وحتى وصولهم إلى الأراضي الأردنية، ونقلهم إلى المخيمات والمدن.

هي معاناة مضاعفة، انقسمت بين معاناة الإعاقة، ومعاناة اللجوء، وتتنوع الإعاقة بين ما هو خلقي، وما هو نتيجة إصابات بسبب الحرب.

ليس هناك عدد دقيق لأعداد ذوي الإعاقة، فبعضهم يصعب الوصول إليه، ولم تسجّل مفوضية اللاجئين الجميع.

يعيش في مدينة إربد، شمالي الأردن، العديد من السوريين الذين تعرضوا لإصابات؛ بسبب القصف، أو الاشتباكات؛ أدت إلى إصابتهم بإعاقات دائمة، وغالبيتهم مصابون بالشلل، وتتنوع هذه الإصابات، منها في العمود الفقري، ومنها في العنق، ومنها أطراف مبتورة.

وحول أوضاع هؤلاء قي سورية، قال الناشط السوري، منير قداح، المهتم بمتابعة أوضاع الأشخاص المصابين بالإعاقات، لـ (جيرون): “يقيم هؤلاء الأشخاص إما مع أهاليهم، أو مع زوجاتهم وأطفالهم، وهم مسجلون لدى مفوضية اللاجئين، ويحصلون على مساعدات من برنامج الغذاء العالمي، كبقية اللاجئين السوريين في الأردن، لكن ليس هناك أي زيادة تراعي أوضاعهم”.

مساعدات ولكن

لا يوجد أي دعم ثابت ومستمر من أي جهة، سواء أكانت جمعية أم منظمة تساعد أصحاب الإعاقات على تحمل أعباء المعيشة، إلا في حالات محدودة قُدمت بعض التبرعات المالية لهم من متبرعين عرب، ولا تكاد تكفي دفع أجور منازلهم.

لدى غالبية المنظمات والجمعيات الخيرية قوائم بأسمائهم، لكن لم تقدم أي شيء لهم، ولا يجدون أي اهتمام؛ حتى على المستوى الإعلامي أو المعنوي والاجتماعي، إلا ما ندر.

يحيى المفعلاني، شاب من ريف محافظة درعا، أصابته شظية في العمود الفقري، بعد سقوط عدة قذائف على منزله، أدت -في ما بعد- إلى إصابته بالشلل الكامل، فنُقل للعلاج إلى الأردن عام 2013، لتلحق به زوجته وأطفاله، ويحصل الآن على قسيمة غذائية من برنامج الغذاء العالمي، التابع لمفوضية اللاجئين، لكن دون تقديم أي دعم مادي، ولا يتلقى أي مساعدات من جهة أخرى.

يقول المفعلاني لـ (جيرون): “حاولنا الذهاب إلى الجمعيات الخيرية؛ لنسجل أسماءنا فيها، ولكن في غالبية المرات يرفض موظفو التسجيل النزول إلينا لتسجيل أسمائنا؛ بحجة أن التسجيل يجب أن يكون داخل بناء الجمعية”.

وتحدث كذلك عن معاناة متعددة الجوانب، أسوأها محاولة استغلال أصحاب الإعاقات، ممن يحاولون جلب متبرعين لهذه الحالات، وقال: “في إحدى المرات تم الاتصال بنا من أحد الأشخاص، وقيل لنا سيتم تسليمنا كراسي متحركة، اجتمعنا وكنا حوالي 20 شخصًا، وبعد أن قاموا بتصويرنا، لم يسلمونا أي شيء، ولم نستطع فعل أي شيء حيال ذلك”.

اجتمع يحيى مع مجموعة من الشباب، ممن يعانون من إعاقات دائمة، وصل عددهم إلى 15 شخصًا، ويقومون بالاجتماع بين الفينة والأخرى في منازلهم، للحديث فيما بينهم، وتبادل معاناتهم، للتخفيف عن بعضهم بعضًا، ومحاولة مساعدة بعضهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

نشاطات متقطعة

استطاع المفعلاني وأصدقاؤه الاتصال بإحدى المنظمات الطبية اليابانية، التي تهتم بأوضاع المصابين وأصحاب الإعاقات، فقدّمت لهم برنامجًا للتأهيل، قاموا باختياره، للقيام بنشاط رياضي، في لعبة كرة السلة، حيث وفرت لهم المنظمة المكان والمُدرِّب، وقدمت لهم أجور التنقل، استمر هذا النشاط ثلاثة أشهر، وساعدتهم هذه المنظمة على التنقل بين المدن الأردنية مجانًا، لكن التنقل من أجل العلاج، أو ما يتصل بأوضاعهم الصحية، فحسب.

عالية البلخي، من محافظة درعا، منسقة ميدانية في منظمة “هانديكاب إنترناشونال”، وهي منظمة دولية مستقلة، تعمل في حالات الفقر والنزاع والكوارث، وتعمل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وتركز على الاستجابة لحاجاتهم الضرورية، وتحسين أحوالهم المعيشية، وتعزيز الاحترام لكرامتهم وحقوقهم الأساسية، قالت لـ (جيرون): “نحاول من خلال هذه المنظمة تقديم الدعم لكل الفئات، من أصحاب الإعاقات الدائمة، حيث تم تقديم مبادرة للشباب الذين يتنقلون على الكرسي المتحرك، وتعليمهم صناعة الصابون والإكسسوارات، كما تم تقديم مبادرة للأطفال من أصحاب الإعاقات، قبل عيد الأضحى الأخير، عن طريق إيجاد مساحات آمنة لهم، من خلال تعليمهم الرسم وصناعة بعض الألعاب الخاصة بالعيد، وأخذهم إلى الحدائق خلال فترة العيد”.

وأضافت: “تعكف منظمة (هانديكاب) حاليًا على تقديم عدد من المبادرات المتنوعة، وتتضمن برامج خاصة بأصحاب الإعاقات الدائمة، ومنها: دورة تأهيل الأشخاص من أصحاب الإعاقات وذويهم، من أجل الانخراط في المجتمع المحلي، ودمج أصحاب الإعاقة مع بعضهم بعضًا، وهناك مشروع ترفيهي، يضم عددًا من أصحاب الإعاقات لمدة ثلاثة أشهر، وتعقد ورشة؛ لتمكين هؤلاء الأشخاص من التعرف إلى حقوقهم، وإعداد مدربين منهم للأشخاص الذين تتشابه حالاتهم معهم، إضافة إلى حملات التوعية، وعمل ورشة للتعريف بالاتفاقية الدولية؛ لحماية وتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وكرامتهم لعام 2006، بالتعاون مع جمعية الكاريتاس”.

مبادرات غير كافية

يعدّ معظم أصحاب الإعاقات الدائمة أن هذه المبادرات غير كافية، ويبررون وجهة نظرهم بأنها مبادرات موقتة، لا تتجاوز مدتها الثلاثة أشهر، على الأكثر، كما أنها لا تُقدّم لهم دعمًا مستمرًا، يساعدهم في المعيشة.

يقول المفعلاني: “نحن بحاجة لمكان خاص، نلتقي فيه، ونمارس أي نشاط يساعدنا في تناسي ما نعانيه، كما أننا لا نريد أي مساعدة تتخذ صورة صدقة من أحد؛ لأننا نتعرض من خلال ذلك للاستغلال، نحن نريد أن يتم توفير أي عمل يتلاءم مع أوضاعنا الصحية، نستطيع العيش من خلاله بكرامة ودون مساعدة من أحد، نحن لا نريد أن نشعر بأننا عالة على المجتمع في الوقت الحالي أوفي المستقبل إذا عدنا إلى سورية”.

تختزل مأساة يحيى ورفاقه مآسي الآلاف من السوريين الذين تسببت إصاباتهم بإعاقتهم الدائمة، فهناك ما يزيد عن مليون جريح في سورية، وخارجها، بحسب تقارير المنظمة الدولية للمعاقين، بينهم عشرات الآلاف ممن هم بحاجة لتركيب أطراف صناعية، ومنهم آلاف المصابين بالشلل الكامل، والإعاقة الكاملة عن الحركة.

ليس هناك -حتى الآن- أي تحرك دولي من هيئات الأمم المتحدة المختصة في النواحي الطبية، أو المنظمات الأخرى المرتبطة بها، لإيجاد حل وتقديم العلاج ومساعدة أصحاب الإعاقات من السوريين، و بشكل خاص ممن نتجت إعاقاتهم عن إصابات في الحرب، لتحسين أوضاعهم، هي مساعدات من منظمات، وفرق طبية بسيطة، يتم تقديمها بشكل محدود، ولا تكاد تغطي نسبةً قليلةً جدًا من هذه الحالات، في ظل ازدياد الهجمة العسكرية الشرسة من نظام الأسد، وروسيا والتي تسببت بتضاعف أعداد المصابين، فيما يبدو أن هناك عجزًا دوليًا للحد من هذه المأساة على الأقل .

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق