قضايا المجتمع

المسؤولية القانونية عن جرائم التهجير القسري في سورية

بات مشهد وقوف الباصات الخضراء على تخوم المناطق المحاصرة في سورية، نذير شؤم بانتهاء اللمسات الأخيرة لعمليات إخلاء قسري، تطال سكان تلك المناطق، غير أن السابقة التي تجاوز فيها النظام السوري دولًا أخرى، شهدت جرائم تهجير قسري؛ لأسباب سياسية أو دينية أو عرقية، تمثلت في ابتداعه أساليب مركبة في تنفيذ تلك الجرائم، تندرج ضمنها: العمليات العسكرية والقصف الجوي، المجازر الدموية، فرض الحصار والتجويع، المصالحات القسرية. بالتوازي مع تلك الوسائل -أيضًا- قيام ميليشيات أجنبية بالأصالة (الإيرانية واللبنانية والعراقية والأفغانية) بدور مشهود في ارتكاب تلك الجرائم، التي شاركت فيها قوات النظام؛ بهدف غير مُعلن، وهو تغيير هوية سورية الديموغرافية والوطنية، أما الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي؛ فقد مارس -من جهته- عمليات تهجير قسري تحت غطاء محاربته تنظيم (داعش)، والأخير غير مستثنى -بدوره- من ارتكاب ما يدخل في نطاق تلك الجرائم.

لا غلّوّ في وصف ما يحدث في سورية أنه تطهير عرقي ممنهج، إنما يتأسس على “الإخلاء القسري وغير القانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها”، وذلك وفق تعريف القانون الدولي الإنساني لجريمة التهجير القسري، وهي الجريمة التي تقوم، بحسب هذا التعريف، على ركنين أساسيين: (أولهما) الركن المادي، والذي يتحقق من خلال إجراءات تقوم بها الحكومات، أو الميليشيات غير الحكومية، خلال النزاعات المسلحة الدولية أو الداخلية، تؤدي إلى  إخلاء مجموعات أو فئات معينة من أراضيها، واستبدالها بمجموعات أو فئات أخرى.

(ثانيهما) الركن المعنوي، كان الخلاف حول مدى توافر النية والقصد الضروريين لاكتمال عناصر جريمة التهجير القسري، مثار جدل قانوني كبير؛ حتى جاءت المادة (7-1-د) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية حاسمة في تجريم عمليات الترحيل، أو النقل القسري؛ حيث نصت على أن “إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي، موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين، يشكل جريمة ضد الإنسانية”، فضلاً عن ذلك، بموجب المواد ( 6 و7 و8 ) من نظام روما الأساسي، فإن “الإبعاد أو النقل غير المشروعين” يشكلان جريمة حرب أيضًا.

لطالما حاول النظام التغطية على جرائمه الموصوفة في تهجير السوريين من مناطقهم، من خلال محاولاته إيهام الرأي العام العالمي بأن ما حدث في داريا والزبداني ومضايا والوعر، وما يريد استكماله في المعضمية وريف دمشق وحلب، يدخل، بحسب روايته، في نطاق النزوح الإرادي أو الاضطراري إلى مناطق أكثر أمنًا. بيدَ أن حقائق التهجير القسري في تلك المناطق وتوافر أدلة وشواهد لا حصر لها، جميعها تميط اللثام عن حجم المواربة والمراوغة في رواية النظام؛ لأن توثيق تلك الجرائم بالصوت والصورة والنقل الحي، والمشفوعة بتقارير محلية ودولية صادرة عن هيئات حقوقية وإنسانية معتبرة؛ لا يدع مجالاً للشك في مسؤولية النظام وروسيا وإيران، عن عمليات التهجير والنقل القسري، والتي تُعدّ وفق المادة (49) من اتفاقيات جنيف الأربع، المؤرخة في 12 أغسطس/ آب 1949، والبروتوكولان الملحقان بها لعام 1977، جرائم حرب دامغة.

من الناحية القانونية أيضًا، تشكل عمليات التهجير القسري انتهاكًا فاضحًا “لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية” التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1948، والتي تعدّ -في مادتها الثانية- أن كل ما يؤدي إلى التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بمنزلة إبادة جماعية، وهو ما ينطبق -بصورة جلية- على استهداف النظام للأكثرية السنية التي تسكن المناطق المحاصرة والمحررة؛ لإجبارها، سواء عبر القصف الجوي أو الحصار والتجويع، أو المصالحات القسرية، على إخلاء تلك المناطق بصورة جماعية.

من مقلبٍ آخر، يُعزى إلى ما يسمى بـ” وحدات حماية الشعب” الكردية، وهي الذارع المسلح لحزب “البي يه دي)” ارتكابها أعمالًا تُصنف في خانة جرائم التهجير القسري، من خلال تدمير القرى وإحراق المحاصيل، وإجبار فئات معينة، في المناطق التي سيطرت عليها، على النزوح، وتبريرها ذلك بدواع ظاهرها ضرورات محاربة تنظيم (داعش)، وتفكيك البيئة الحاضنة له، وباطنها تطهير المناطق التي تعدّها جزءًا من إقليم ما يسمى (روج آفا) من سكانها العرب والتركمان. لعلّ من أبرز المناطق التي تعرضت لعمليات تهجير قسري على يد قوات الـ (بي يه دي) هيّ ناحية الشيوخ في ريف عين العرب الغربي، وناحية تل ابيض التابعة لمحافظة الرقة، وفي تل حميس ورأس العين والغبيش وتل براك وجنوب الردّ في محافظة الحسكة، وفي العديد من قرى مدينة منبج الواقعة شرقي حلب.

لم يكن تنظيم (داعش) بريئًا من عمليات التهجير القسري، التي طالت مناطق كردية وعربية، كان قد سيطر عليها، بحيث كانت أيديولوجيته المتطرفة، وممارساته العدائية ضد كل من يعدّهم من خارج تلك الأيديولوجية القائمة على الإقصاء والعنف، سببًا أساسيًا في مسؤوليته عن العديد من حالات التهجير القسري التي شهدتها بعض المناطق التي سيطر عليها.

في جميع الأحوال لم تحلْ كل القوانين والاتفاقيات الدولية، التي تجرّم كل من يرتكب هذا النوع من الجرائم الدولية المركبة، ردع النظام المسؤول الأكبر عن وقوعها، وكل الأطراف والجهات الأخرى التي تورطت في حدوثها؛ ففي المحصلة لا يمكن تبرير إغلاق مسار العدالة الدولية أمام الضحايا والمتضررين السوريين من جرائم التهجير القسري، بحجّة الفيتو الروسي في مجلس الأمن، أو بذريعة تعطيل إحالة الملف إلى محكمة الجنايات الدولية، بهدف ملاحقة ومعاقبة المسؤولين عنها، بموجب نظام المسؤولية الجنائية الفردية، طالما هناك خيارات متاحة لتفعيل آليات الملاحقة القضائية، من أهمها اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، بموجب قرار “الاتحاد من أجل السلام” الذي يجيز في حال فشل مجلس الأمن في حماية ما يُهدد السلم والأمن الدوليين، تصدّي الجمعية العامة لتلك المسؤولية الدولية، واتخاذ ما يلزم في هذا الصدد. الطامة الكبرى أن استمرار إخفاق المجتمع الدولي، ومؤسساته السياسية والقضائية، في وضع نهاية للمأساة السورية المتواصلة، يُشرعنُ -بصورة فاضحة- سياسة “الإفلات من العقاب” التي لم تعد حكرًا على التجربة التاريخية الإسرائيلية، بعد أن أوغل نظام الأسد في قتل وتهجير السوريين، في ظل الصمت الدولي المشين عن جرائمه الصارخة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق