هموم ثقافية

المثقف بين رحى النظام والمعارضة

لماذا يتنكر الجميع للمثقف، ويديرون ظهورهم له، ويجتمعون على تقييده ومنع امتداد تأثير أفكاره إلى الآخرين؟

أيجب عليه -وهو الذي نجا من معتقلات الأسد ومذابحه- أن يكون في الصفّ الأخير للثورة؟ ولماذا اجتمعوا وأجمعوا على إقصائه وتهميشه؟ نظامًا دكتاتوريًا، ومعارضة مسلوبة الفعل والإرادة؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، سأورد تعريفًا يمثلني بالمثقف ودوره، للمفكر (إدوارد سعيد):

(هو ذاك الموهوب الذي يطرح-علنًا- أسئلة محرجة، ويصعب على الحكومات أو الشّركات استقطابه؛ لأنّهم لو تمكّنوا من استقطابه، فقد المثقّف بعده النّقدي، وخان نصّه الإبداعي، كما وجب عليه مواجهة كلّ أنواع التّنميط والجمود؛ لأنّ المثقّف، عمومًا، لديه الفرصة في أن يكون عكس التيّار).

الحقيقة المؤلمة هي أن الجميع جاهدوا وعملوا على تهميش المثقف وإبعاده عن دائرة الفعل، بدءًا بالنظام الذي حارب الثقافة والأدب الصادقين، واستبدلهما بأبواق تصفق له وتحمد إنجازاته، وصولًا إلى اتحاد كتاب النظام الانتهازي الذي طالب المثقفين والأدباء بالعودة إلى بيت الطاعة، وهددهم خلال اجتماعاته ومؤتمراته الأخيرة، بسحب الجنسية السورية منهم؛ لأنهم عملاء وإرهابيون.

اقتدت المعارضة (جلّها) بإرادة وأساليب النظام، وتفوقت عليه، والتزمت بالأقوال البراقة وابتعدت عن الفعل، لتسود لغة السلاح ولغة الكراهية والحقد والطائفية والتطرف، وفشلت في إنجاز دائرة إعلامية متخصصة بنشر الخبر السوري ومعاناة السوريين احترافيًا؛ لأن نشر الخبر -بدقة وتفصيل، يساعد في إيصال صوت شعبنا وقضيته. أما الواقع والبديل، الذي أراح ضمائر المعارضين، فهو مختلف؛ إذ نلاحظ أغلبهم يخلطون في أدوارهم، وتتداخل اهتماماتهم وماتهم، لذلك؛ يصبح المعارض منهم هو الثوري والسياسي والمفكر والأديب والناطق الإعلامي.

العمل الإعلامي والثقافي الجاد في آخر اهتماماتهم؛ وحتى إذا عرض عليهم فسيسارعون إلى الإشادة به وضرورته، وأنهم سيقفون معه بكل قدراتهم، ويتناسونه وينصرفون إلى اهتماماتهم الأخرى، البعيدة عن هموم وآلام شعبنا.

كانت المؤسسات الثقافية في سورية مرتبطةً بحبل سري مع النظام القائم، تتغذى منه وتغذيه، وطبيعة تلك المؤسسات القائمة تكمن في تحويلها إلى منابر حزبية بعثية بجدارة؛ ما أدى إلى تلاشي النتاج الفكري الأدبي الحقيقي اللصيق بالواقع، المعبّر عن نبضه الحي، باستثناء ما تريده السلطة السياسية أو تباركه، فهذا وحده ما يطفو على السطح ويظهر، وتسلط عليه الأضواء.

أميون وكتبة تقارير وضباط جيش وأمن متقاعدون، هم من سيطروا على مؤسسات النظام الثقافية والإعلامية، وهم من تحكم بالثقافة والإعلام والأدب، فحولوا دوائر النشر لكتاباتهم الساذجة، والتي هي أبعد ما تكون عن الإبداع والتميز والابتكار.

بعد قيام الثورة السورية برزت أسماء مفكرين وكتّاب مؤيدين للثورة، لكن خارج أي حاضنة سياسية؛ من قبل رجال أعمال وتشكيلات سياسية وهيئات وجمعيات وأحزاب، لم تلتفت أبدًا إلى الجانب الفكري والثقافي والإعلامي في الثورة السورية، ووجهت كل طاقاتها وجهدها إلى العمل السياسي والعسكري والإغاثي، وعملت على تقليد النظام، من خلال إبعاد المثقفين وتسوير كيانهم بجمهرة من ذوي القربى والمؤيدين والمصفقين. الأسلوب ذاته يتكرر، والوجوه مشابهة لتلك الوجوه التي أبرزها إعلام النظام ومؤسساته، وأصحاب القرار بعيدون عن الفكر والثقافة والأدب؛ وحتى من كانت اهتماماته تنصب في هذا الاتجاه، فقد استبدلها بوظائف تؤمن له الربح السريع. هناك تطابق جارح بين أفعال النظام ومعارضتنا الوطنية.

مع ذلك سعى بعض الشباب المثقف إلى تأسيس أكثر من كيان أدبي، في محاولة منهم لفرض وجودهم في الحدث والمأساة السورية، لكنهم ووجهوا بالفشل؛ بسبب محاربتهم بلقمة عيشهم، ودفعهم لترك الساحة والانزواء، أو العمل بمسميات تقزم دورهم، وهم بالأصل يحملون توجهًا ضد هذه الأحزاب والتيارات العاملة على قتلهم.

لقد دفعوا ثمنًا مضاعفًا لاصطفافهم مع الثورة؛ وبسبب الحاجة، بحثوا عن موارد مالية تؤمن لهم استمرارية الحياة. واضطروا للعمل اليومي المجهد في المعامل والأسواق والمحلات التجارية والأعمال اليدوية، كالبلاط والدهان وبيع الخبز والدخان، وقسم آخر وجد في مخلفات حاويات القمامة ما يبيعه؛ كي يضمن الحصول على ثمن الخبز له ولعائلته.

الصعوبات المالية والضغوط المعيشية والمحاربة من أجل استمرار الحياة، شكلت عائقًا أمام المثقف وأمام تفعيل دوره، وحجمت أداءه ونشاطاته، كالمشاركة في المؤتمرات والأمسيات والندوات وطباعة الكتب والتفرغ للإبداع.

كذلك عملت المعارضة على تجاهل أهمية إيجاد جسم ثقافي حقيقي، يوحّد الأدباء والكتّاب السوريين، ويعزز دورهم، ويقف معهم في تنفيذ أحلامهم، كاتحاد للكتّاب الذين ثاروا على النظام القاتل، وانفصلوا عن اتحاد الكتّاب العرب ممثل النظام وحاميه.

أخيرًا:

هو يقين لا يتزحزح بانتصار ثورتنا، ولكن ماذا أعدت المعارضة من مؤسسات قادرة على سد الفراغ بعد سقوط النظام؟ والتساؤل الأهم:

لو لجأنا -مستقبلًا- إلى صناديق الاقتراع، فمن سيفوز في كل المؤسسات الرسمية؛ النظام الذي يعتمد على مؤسسات قائمة مأجورة، أم المعارضة المشتتة التي تحارب العمل المؤسساتي؟

لا تنسوا مقولة جان لويس لوتار:

“الوحشية.. هو أن تبقى الثقافة والفن في حالة صمت”

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق