هموم ثقافية

في الجحيم قد نبيع الورد المثلَّج

ليس غريبًا أن تعجب بأول قصيدة تقرؤها لفاروق جويدة، لكن إن بقي رأيك على ما هو عليه، بعد قراءة القصيدة الثانية؛ فأنت تعاني من مشكلة كبيرة:

“القلب يا دنياي يقتله الجليد

لا شيء في عمري جديد

لو كنت أرجع مرة

وأشم عطر مدينتي قبل الزفاف

كانت طهارتها تشع النور في هذي الضفاف

يا ليتني يومًا أراها في ثياب حيائها

لكنها.. قتلت جنين الحب في أحشائها

ومضت تعيش حياتها بين الذئاب

وعلى ضفائر شعرها نام العذاب

وبجلدها الفضي أنفاس وعطر.. واغتصاب

وزوابع الصيف الحزين

تجيء حبلى بالتراب

ومدينتي الحيرى بقايا.. من شباب”

 

ألفاظ جميلة منتقاة بعناية، وأوزان هادئة مع عبارات أنيقة، ليس هناك خطأ في كل هذا، لكن من أخبره أن هذا الشكل يصلح للموضوعات التي يعالجها، وكيف يغدو ثوب الفن للفن، وفي أقصى ذراه من رومانسية، واهتمام زائد بالشكل، وأناقة، ووضوح، صالحًا للتعبير عن قضايا واقعية عويصة وملحّة.

يغرق الشاعر في البحث عن كلمات ملائمة لقشرته، وينسى موضوعه، وتغدو أجزاء قصيدته دورات صوفية لاهثة، كمن يلف ويدور عندما يلاحقه كلب، وتكتمل المفارقة. يصنع ومضة هنا، ولعبة فنية هناك، لكن أعم شعره يعاني هذه التراتبية، ويخضع لمنطقه الخاص في النسج؛ حتى لا تميز عنده بين موضوع وآخر، وبين نص وآخر، وبين معذب وآخر، ولا نعرف هل يتحدث عن حرمان العشاق، أم حرمان الفقراء، أم حرمان الناس حقهم في الحرية والتعبير.

دعا النقاد طويلًا ودائمًا، قديمًا وحديثًا، للاهتمام بالصياغة، ولكن من قال إن هذا الاهتمام يجيز الطواف المجاني، والخروج عن الموضوع، ومن قال إن البلاغة والأناقة تقتضي استحضار ألفاظ جميلة محفوظة -طويلًا- في ثلاجة أنيقة للتعبير عن جميع الحاجات، وفي كل زمان ومكان؟

الوضع سيئ؟ نفهم هذا جيدًا في أثناء القراءة!، قد نفهم –أيضًا- أنه صامد، وما زال يؤمن بالحب والصمود، ويعرف ما يريد، وقد ذكر كلمة ألم، ومرّ عليها مرات عديدة، في كل دورة غنائية، وكل رعشة داخلية جديدة تعتريه، وهذا قد يغني فقيرًا، ويداوي معذبًا عن التفكير، عن أسباب مشكلاته، أو يساعد متألمًا حقيقيًا.

يحاول جويدة -إذن- التسامي فوق الآلام والتعبير برومانسية، ولغة جمالية متعالية، وأوزان متناسقة تلائم حفلة للمترفين عن مشكلات واقعية، وآلام عامة؛ بل عن مشكلات الأمة بأسرها، وبذلك يخسر عنب الشام، وبلح اليمن.

جرب صلاح شاهين صاحب الرباعيات الشهيرة الدمج في شعره بين المشكلات الواقعية والأفكار الصوفية، لكنه نجح ليس بسبب هذه النقطة البائسة، بل بسبب لغته الذكية القادرة على إصابة القارئ، وجرجرته والتلاعب به، وهذا ما يفتقده جويدة صاحب القاموس الجليدي القشيب.

ألا يريد أن يرى ضرورة المكاشفة الجريئة، واللغة الحقيقية القريبة من الناس؟ ألم ير كيف لاذ الشعب المصري بأبي الليف، وأحمد سعد، وغيره من مطربين شعبيين؛ ليحصلوا على نسمة حقيقية من التعبير، ألم يسأل نفسه عن أسباب نجاح هشام الجخ.

يموت الناس من الجوع، ويأكلون من مكبات القمامة، وتلسع الكهرباء جلودهم، وتدمي العصي جنوبهم، وترتفع نسبة الجريمة والتحرش في مصر، ولا يزال فاروق جويدة يتحدث عن الألم بلغة تلبس البدلة، وربطة العنق، ومع رشة عطر خفيفة. ولا يخجل -أيضًا- من الظهور تلفزيونيًا وإعادة هذه الدرر -بعد كل حدث يحدث في مصر- كأنها تعويذة تصلح لكل زمان ومكان، وتعالج كل داء وعلة.

وضع العقاد ثلاثة معايير للشعر، وطبقها على شعر أحمد شوقي؛ ليكتشف أن شوقي ليس شاعرًا وفق أي من هذه المعايير الثلاثة، ولا نقر هذا التطرف في الحكم، بينما نؤكّد أن لكل محاولة كتابية (ولا أقول تجربة شعرية) خصوصيتها وشروطها ومميزاتها، ودعني أقول بكلمة أوضح وأدق: خياراتها المنحازة لحساسيات معينة داخلية أو خارجية.

يقول بعض النقاد الأميركيين: إن هناك عنصرين -فقط -يتدخلان في الكتابة، هما: الموهبة والموروث. وسواء كان هذان المجالان المضمار الذي يختار منه الشاعر عناصره التي يبتغي -من خلالها- التأثير في المتلقي، أو كان أي مجال آخر، فلا يمكن إنكار دور الوعي في الكتابة، فكل شاعر هو ناقد نفسه، ولو في لحظات معينة، أو على الأقل، ينعكس نقده التأثري للمحاولات الأخرى على محاولته اللاحقة.

فاروق جويدة يستقي موضوعاته من الواقع، ولا يخفي تأثره بكثير من الأحداث الواقعية، صغيرة كانت أم كبيرة، عامة أم خاصة، وهو منحاز إلى نوع من الكتابة الجمالية، مع اهتمام باذخ بالصياغة، واختيار الكلمات الهادئة، والأوزان الرشيقة، وفي المحصلة هذا نوع من التعبير، ويحوي مزايا فنية عديدة، لا نستطيع إنكارها. لكنه، أي هذا التعبير، ليس: ما جدوى هذه الكتابة؟ فالكتابة كفن يستخدم الكلمات. ألا يجب أن تكون كلماته تلائم الموضوع أو الحالة التي تصفها، ولا تكون مجرد استحضار لكلمات وصيغ جاهزة، فما يقوم به جويدة هو تسامٍ عن الواقع، بينما يدعي أنه يعبر عن هذا الواقع، هو في الحقيقة يعبر عن أفكار مجردة، تتعلق بالجمال والصمود وغيرها.

إنه تعبير مصطنع، سواء في الكلمات أو المعاني. تستطيع أن تقرأ كثيرًا من النصوص المتشابهة عنده، فهو يدور في حلقاته الخاصة، ويترك الموضوع الذي أثار فيه المشاعر، وحرضه على الكتابة، بل ينساه كأنه لا يعنيه، ولا يظهر تأثير ذلك الموضوع على عملية الكتابة بأسرها.

فاروق جويدة صاحب محاولة كتابية متكاملة، لها ميزات وعيوب، ولكن لا بد من توصيفها، والتساؤل عن مكوناتها، وقيمتها، وأثرها، وهذا ما حاولنا فعله.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق