قضايا المجتمع

الاستبداد وتدمير القيم والنسيج الاجتماعي

عمل النظام قرابة خمسين سنة على تهشيم المجتمع وخلق الثغرات بين أبنائه، وربما ليس من المجحف أن يُقال فيه ما قيل في الاستعمار الذي اتبع سياسة “فرق تسد”، في الدول التي كان يحتلها؛ فهو الذي سطا على السلطة -بداية- بانقلاب عسكري، نفذه حافظ أسد، ثم وُرّثت لابنه بالسطو على الدستور وتغييره بدقائق معدودة، ولكي ينجح هذا النهج لا بد من تخريب النسيج الاجتماعي في البلاد، وهو ما اتبعه الأسدان، بدءًا من المدارس الابتدائية، وليس انتهاء بالجامعات، فضلًا عن المجتمع بشكل عام، وبكل أطيافه بينهما؛ حيث عمل على تربية بعض الأشخاص، لكل جيل ومرحلة؛ ليكونوا الرقباء والسلطة الخفية التي تنوب عنه بكل تفاصيل الحياة، كعناصر شبيبة الثورة في المدارس، واتحاد الطلبة في الجامعات، والموظفين الأمنيين الذين عملوا لصالحه في المدن والحارات، بل جاء بأضعف الناس اجتماعيًا وأخلاقيًا وسلمهم زمام الآخرين، ليس بالمناصب الاجتماعية فحسب، بل تعدى ذلك إلى السلطة الدينية على مستوى المناطق؛ حتى بات الفرد يخشى من ذويه وأقرب الناس إليه؛ لأن ولاء أولئك للنظام والسلطة، وأصبح الشرخ كبيرًا بين أبناء المجتمع، وهذا ما تجلى تجليًا كبيرًا بعد اندلاع الثورة السورية في عام 2011، حين انقسم الشعب السوري بين طالب للحرية والكرامة، ومدافع عن النظام بولاء خالص له، وليس للبلد، ولا شك في أن هذه الصورة نجدها في كل المدن، لكنها تظهر جلية في مدينة حلب.

فما تشهده حلب يفوق كل التوقعات والتوصيفات، حيث قصف ودمار واستهداف من قوات النظام والمليشيات المساندة له، والطيران الروسي الذي أمطر بكل أصناف الأسلحة، بما فيها المحرمة دوليًا، المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، والتي يعايش فيها الناس الموت كل لحظة، بما يخلفه القصف من عشرات الضحايا يوميًا، فيلمها ذووها أشلاء من تحت الأنقاض، فضلاً عن القهر والألم الذي يكابدونه من جراء الحصار، ونقص المواد الغذائية والصحية التي تبقيهم على قيد الحياة، والتي أصبحت أسعارها خيالية، إن وجدت.

في حين يشهد القسم الآخر من حلب، والخاضع لسيطرة النظام حياة طبيعية، وربما مغالاة في إظهار أن الحياة تسير يومياتها طبيعيًا وفوق الطبيعي، من خلال حفلات، ربما لم يمارسها على هذا النمط المقدمة به، إلا قلة من الناس ما قبل الثورة، قد تكون محسوبة على فئة معينة أقرب من السلطة، أو بعض التجار، وأصحاب رؤوس الأموال المقربين -أيضًا- من النظام، فأولئك لم ولن يجاريهم أحد في نهج اجتماعي وثقافي، ولا حتى أخلاقي، فهل ذلك يندرج تحت ما عمل عليه النظام من شرخ بالمجتمع، وانعدام الشعور بالآخر، وهل بإمكانه -حاليًا- مراقبة كل تحركات الناس، وهو من يجبرهم على ارتياد المطاعم والمقاهي، أم أن الأخلاق أصبحت عند الكثيرين في ذلك الدرك الذي يصل حد الشماتة بمعاناة الجار، وليس الامتناع عن إظهار الفرح أمام مأساته وحسب.

أما أن يقوم النظام وأتباعه بحملات سياحية، واصطناع حفلات بعناوين شتى؛ ليوهم أن الحياة طبيعية، وما من قتل ودمار في سورية، فهو مبالغة وصور فاقعة، في وقت يتابع كل العالم ما يجري في القسم الآخر من المدينة من قصف ودمار، فيما تُسمع -في بعض الأحيان- أصوات حفلاتهم وصخبهم في الأحياء المجاورة، التي يذوق فيها قاطنوها صنوف العذاب والموت بكل أشكاله.

أي صورة أصبح عليها المجتمع السوري من شقاق اجتماعي، وفرقة بين أبنائه، في حين لو عدنا بالزمن إلى الوراء عشرة أو عشرينًا من السنوات، لنتذكر أن الأعراس والحفلات في أحيائنا وقرانا كانت تؤجل، أو تتم بصمت، إذا كان في الجوار حادثة وفاة أو عزاء لشخص ما، فاحترام الناس عند مصائبها، والوقوف إلى جانبها ميزة تربى عليها السوريون، وكانت ثقافة عامة في المجتمع، وهذا ما يميزه من روابط وأواصر محبة ومودة واحترام.

لكن السوريين الذين يحبون الحياة، لم يكن ينقصهم إلا رفع الرقابة الصارمة والضغط الذي مارسه النظام؛ لتظهر ملكات وطاقات مكبوتة، لم يُرَد لها الظهور؛ ليبقى الشعب غارقًا في هموم الأعباء الحياتية والحاجات اليومية، وتجلت الطرافة وحب الحياة لديهم في أثناء الثورة، من خلال ما أطلقه الشباب السوري من تعليقات ونكات من رحم المأساة، ومن قلب الموت، كما كانت مظاهراتهم تتحول إلى أعراس ومهرجانات؛ حتى التسميات التي أطلقها الناشطون على أيام الجمعة، لم تكن تخلو من الإبداع؛ أيام الجمعة ذاتها كانت ما قبل الثورة تشهد رحلات كثير من السوريين في ما يسمى بـ “السيران” إلى الطبيعة، فالناس ليست بحاجة لمن يعلمها الفرح ويزرعه لها في قوالب جاهزة.

لكن هذا الانقسام بهذا الشكل الذي أصبح كسرًا في زجاج، من المؤكد أن جبره سيكون عصيًا على أجود التقانات وأمهر التقنيين، إلا إذا تكفل الزمن والسنون بطمس ذلك الشرخ ولمه.

فهل كانت تلك العواطف بين الناس مجرد قشور، ونوعًا من المواربة، وتندرج في إطار الخجل الاجتماعي فحسب، وليست ثقافة أخلاقية تنبع من النفوس بصدق وأمانة وهم مشترك، أم أن مدارس الطغيان التي كانت تنهل منها النفوس الضعيفة، بدت تعاليمها واضحة عندما أصبح الجميع على محك الحياة، وصار الناس فريقين: أحدهما شامت بالقتل والمجازر الجماعية التي تصيب الطرف الآخر، وهل أصبحت مدينة كحلب شرقية وغربية، أسوة ببيروت التي قسمتها الحرب الأهلية ـ حينئذ ـ وجعلتها بالتصنيف ذاته، ولم يعد لدى المواطن الحس الوطني؛ ليشفق على دياره، بل هو مؤيد للجلاد وزمرته، وموالاته له أكبر من حبه للبلد.

في المقابل بين هذا الفريق وذاك، لابد أن فريقًا ثالثًا موجودًا في سورية، لم يهتم لآلام ومصائب المنكوبين والمهجرين، ولم يهتم لمصير الفريق الآخر، لكنه، وفي خضم الأحداث الجارية في البلد، طفا على سطح الأزمات ماديًا ومعنويًا، واستفاد من مصائب الآخرين، ولم يطرأ عليه وعلى انتهازيته -ربما- إلا تبديل عنوان سكنه، مع زيادة ملحوظة في حجم رصيده المادي.

إن الأخلاق -على مدى التاريخ- تصنف بين الجيد والرديء، ومن الصعب وصف أهالي منطقة ما وصفًا مطلقًا بالجودة أو بالرداءة، فالأسرة الواحدة تعاني -في أغلب الأحيان- من هذا التصنيف، وهذا ما يحدونا للأمل في أن ما شهدته السنوات الخمس الماضية، من انحدار وانحطاط في الأخلاق والعادات، لابد أن يتجاوزها السوريون بعد أن تنقشع عن بلادهم غيوم الحقد والطغيان المتلبدة في سمائها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق