تحقيقات وتقارير سياسية

حل المكاتب الأمنية تصحيح مسار أم مناورة لامتصاص الغضب

جاء قرار “فيلق الرحمن”، الفصيل المعارض، بحل مكاتبه الأمنية في شهر آب/ أغسطس الماضي، ضمن أوضاع دقيقة داخل الغوطة الشرقية بريف دمشق على مختلف الصعد والمستويات؛ إذ جاء القرار بعد معارك ضارية بين الفيلق، من جهة، و”جيش الإسلام”، من جهةٍ أخرى، إضافةً إلى استغلال النظام هذا الاقتتال؛ ليتقدم ويستحوذ على كامل القطاع الجنوبي للغوطة، وكذلك يأتي القرار عقب احتقانٍ شعبي شديد على الفصائل العسكرية؛ نتيجة الإيغال في الاعتقالات، وعدم ضبط تصرفات المفارز الأمنية التابعة لها، وبلغ الاحتقان ذروته مع اندلاع المظاهرات في مدينة عربين، بعد اعتقال الفيلق لأحد أبرز وجهاء المدينة، وقائد لوائها العسكري قبل نحو شهرين من الآن، حيث طالب المتظاهرون -آنذاك- بخروج “فيلق الرحمن” من مدينتهم نهائيًا؛ ليرد الفيلق باستنفار عسكري على الأرض، وبيانات وتصريحاتٍ إعلامية، أكد فيها أن قرار مدينة عربين صودر من بعض الفعاليات المدنية، كالمجلس المحلي الذي وصفته بعض أطراف الفيلق بغير الشرعي؛ ما جعل عددًا من الناشطين يُشككون بجدوى القرار، وجديته في كبح مخالب المكاتب الأمنية، وأنها لا تعدو كونها مناورةً؛ لامتصاص الغضب الشعبي، والالتفاف عليه، وفق تعبيرهم.

سياق حل المفارز الأمنية

أكد وائل علوان، المتحدث الرسمي باسم “فيلق الرحمن”، لـ (جيرون) أن تشكيل المكاتب الأمنية للفصائل جاء -أساسًا- “بهدف دعم مؤسسات القضاء والشرطة، والتحقيق في تنفيذ مهماتها، وحفظ أمن المواطنين داخل الغوطة الشرقية بعد تحريرها من النظام السوري، حيث احتاجت تلك المؤسسات إلى كثير من الوقت، قبل أن تصبح جاهزة للتصدي للملفات الأمنية المعقدة والمتشابكة، مع استعداد هذه المؤسسات، والتأكد من جاهزيتها، سارع قائد (فيلق الرحمن)، النقيب عبد الناصر شمير، وبعد اجتماع مجلس القيادة، بإصدار قرار يقضي بحل جميع المفارز والمخافر والحواجز الأمنية التي يُشرف عليها الفيلق، وتسليم المسؤوليات الأمنية لحماية البلدات والمناطق داخل الغوطة، إلى مؤسسة الشرطة والقضاء، مع حصر مهمة المكتب الأمني في فيلق الرحمن بالشؤون الداخلية والعسكرية، بما يخص حماية الجبهات و نقاط القتال فحسب، وتأتي هذه الخطوة  تحقيقًا لمبدأ توزيع الاختصاصات، وتفعيل الكفاءات الذي طالبت به المؤسسات والفعاليات المدنية، وفي مقدمتها مجلس محافظة ريف دمشق”.

من جهته قال بسام سعيد، من الغوطة الشرقية، لـ (جيرون): إن هذا القرار “يأتي في سياق الحاجة الملحة داخل الغوطة؛ لتفكيك الأذرع الأمنية الفصائلية، بعد أن أثبتت فشلها، وأدت إلى آثار سلبية كثيرة، ارتدت على الفضائل نفسها، نتيجة التصرفات غير المسؤولة لتلك المكاتب، ونتج عنها جملة من التداعيات والانعكاسات، أثرت -بشكلٍ او بآخر- في مجمل أوجه الثورة، داخل الغوطة الشرقية، ومن بينها ضرب الحاضنة الشعبية”.

بديل المكاتب الأمنية الفصائلية

كثيرًا ما تذرعت الفصائل العسكرية بضعف مؤسستي القضاء والشرطة، وعجزهما عن التصدي للملفات الأمنية داخل المناطق المحررة؛ لاستمرار عمل المفارز الأمنية التابعة لتلك الفصائل، وعلى الرغم من مناشدات عديدة من الفعاليات المدنية داخل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام؛ لكف يد المفارز الأمنية الفصائلية عن الحياة المدنية، إلا أنها لم تلق استجابةً من أحد، بحجة عدم توافر البديل، وهنا قال سعيد: “البديل هو تفعيل مؤسسة القضاء الموحد، وجهاز الشرطة الداخلية، ومع تفعيل هاتين المؤسستين لن نكون بحاجة إلى أي مكاتب أمنية فصائلية؛ لأنه -ببساطة- في حال عُمل بصدق على تقوية هذه المؤسسات، بما يضمن احترامها وتنفيذ قرارتها وأحكامها، ستفرض السيطرة والأمن على الصعد والاتجاهات كافة؛ ما سيكون له تداعيات إيجابية؛ لأن القواعد الاجتماعية سترحب بذلك وتتقبله وتتعاون معه، وتكون أول المساندين له”.

بدوره قال علوان: “لم تتخذ قيادة الفيلق قرارها بحل المكاتب الأمنية، إلا بعد أن تأكدت من جاهزية المؤسسات البديلة (القضاء والشرطة)، وقدرتها على تحمل هذا العبء، والسير قدمًا بالملف الأمني، وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه المؤسسات ليست وليدة اللحظة، وإنما هي موجودة منذ أكثر من عامين، وراكمت -عبر تجاربها- كثيرًا من الخبرة، إضافةً إلى تدريب كوادرها المختصة، وتطوير أدواتها ووسائلها؛ ما ساهم كثيرًا بتجذير القناعة لدى قيادة فيلق الرحمن بضرورة تسليم الملف الأمني -بالكامل- لتلك المؤسسات، بعد أن أثبتت كفاءتها في هذا المجال”.

مناورة لامتصاص الغضب

شكك بعض الناشطين في الغوطة الشرقية بقرار الفيلق، وعدّه عدد منهم مجرد مناورة؛ لامتصاص الغضب الشعبي، والالتفاف على المطالبات المتواصلة بضرورة فتح الجبهات على تخوم العاصمة مع النظام، وفي هذا الجانب، قال علوان: “ينظر الفيلق إلى الحاضنة الشعبية على أنها صمام الأمان لجميع الفصائل، بمعنى أن وعي شعبنا هو الضاغط والضابط لتصحيح مسار مجمل الفصائل والمؤسسات، فالشعب هو بوصلة هذه الثورة، وأهم مبادئها رفض الظلم والطغيان من أيٍ كان، وبالنسبة لنا الغضب الشعبي والتظاهرات صمام أمان؛ لإعادة تفعيل التواصل مع حاضنتنا الشعبية، والوقوف على أخطائنا، وهو ما يؤدي إلى تصحيح المسار، وضمن هذه القناعة، جاء قرار تسليم الملف الأمني للمؤسسات المختصة في الغوطة، وعدم التدخل في شؤونها، أما سعيد، فقال: “أيًا كان توجه أو هدف الفصيل لحل المكاتب الأمنية، فهو أمر يساعد في تفعيل مؤسسات القضاء، بغض النظر عن المآرب والأهداف، ولذلك؛ يمكن القول بأن الخطوة بحد ذاتها إيجابية، ولا بد من البناء عليها”.

بعيدًا عن التوصيفات السابقة لدوافع القرار بحل المكاتب الأمنية، فإن بعض الآراء داخل الغوطة الشرقية ذهبت إلى أن الفيلق يحاول -من خلال هذه الخطوة- اكتساب بعض النقاط على حساب جيش الإسلام، في ظل العلاقات المتوترة بين الطرفين، ومن جهةٍ أخرى يحاول غض الطرف عن المطالبات الشعبية بفتح جبهاته مع النظام، ومؤازرة الأول في المعارك على المحور الشمالي الشرقي للغوطة، وهنا قال علوان: “الفيلق يرابط على أكثر الجبهات خطورة وحساسية في سورية، والجميع يعلم أن الغوطة محاصرة منذ نحو أربع سنوات، وقوات النظام وضعت كل إمكاناتها على الجبهات الأكثر استراتيجية، وهي الملاصقة للعاصمة، ونادرًا ما تجد ثغرة في تلك الجبهات؛ للعمل من خلالها، ومع ذلك لم نستسلم لهذا الواقع، واستثمرنا الثغرات، على قلتها؛ لشن عمليات خاطفة وسريعة تضرب العدو وتؤلمه، وتحقق بعض المكاسب للثوار”، مضيفًا “نحن نؤمن بأنه لا بد من توحيد الجهد والإمكانات والطاقات في غرفة عمليات واحدة، بقيادة موحدة، وقدمنا في هذا الجانب عددًا من المبادرات، ونتعامل -بإيجابية- مع أي مبادرة من أي طرف لتوحيد الجهد؛ لأنه من غير المقبول وجود سباق تنافس بين فصائل الثورة، وينبغي العمل على التنسيق ما استطعنا إليه سبيلا”.

الجدير بالذكر أن أنباءً واردة من داخل الغوطة الشرقية، أكدت -خلال الأيام الماضية- تشكيل غرفة عمليات مشتركة، ضمت كلًا من جيش الإسلام، فيلق الرحمن، حركة أحرار الشام الإسلامية، لواء فجر الأمة، وذلك؛ بهدف التصدي للهجمة الشرسة التي يشنها النظام على الغوطة الشرقية منذ أشهر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق